الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٣١ - مذهبه الجديد
و لا يقال للأصل لم و كيف. و إنما يقال للفرع لم، فإذا صح قياسه صح و قامت به الحجة.
فهو بهذه الخطة الجديدة قد هاجم مالكا، لتركه الأحاديث الصحيحة لقول واحد من الصحابة أو التابعين أو لرأي نفسه.
و هاجم أبا حنيفة و أصحابه، لأنهم يشترطون في الحديث أن يكون مشهورا، و يقدمون القياس على خبر الآحاد و إن صح سنده، و أنكر عليهم تركهم لبعض السنن لأنّها غير مشهورة، و عملهم بأحاديث لم تصح عند علماء الحديث، بدعوى أنّها مشهورة، و وقف في القياس موقفا و سطا، فلم يتشدد فيه تشدد مالك، و لم يتوسع فيه توسع أبي حنيفة [١].
و قال إمام الحرمين: فمالك أفرط في مراعاة المصالح المطلقة المرسلة، غير المستندة إلى شواهد الشرع، و أبو حنيفة قصر نظره على الجزئيات و الفروع و التفاصيل من غير مراعاة القواعد و الأصول، و الشافعي (رض) جمع بين القواعد و الفروع، فكان مذهبه أقصد المذاهب، و مطلبه أسدى المطالب كما يقول إمام الحرمين.
هذا عرض موجز لما يتعلّق بحياة الشّافعي و أخباره من حيث اتجاهه الفقهي، و مخالفته لأهل الرأي و أهل الحديث.
و تدلنا الحوادث بوضوح أنه لقي أذى كثيرا في إظهار مخالفته لمالك و رده عليه، كما أنه لم يلق في مصر ذلك الإقبال المطلوب الذي كان يأمله رجل مثله، فقد جفاه الناس، و لم يجلس إليه أحد، فقال له بعض من قدم معه: لو قلت شيئا يجتمع إليك الناس، فقال: إليك عني و أنشأ:
أ أنثر درا بين سارحة النعم* * * و أنظم منثورا لراعية الغنم
[٢].!
و كان يظهر التذمر و التألّم، و يدلّنا على ذلك قوله:
و أنزلني طول النوى دار غربة* * * إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله
أحامقه حتى تقال سجية* * * و لو كان ذا عقل لكنت أعاقله
[٣]
[١] تمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية للأستاذ مصطفى عبد الرزّاق ص ٢٢٥. و ضحى الإسلام ج ٢ ص ٢٢٤.
[٢] معجم الأدباء ج ١٧ ص ٣١٩. و تمام الأبيات ص ٣٠٧.
[٣] المعجم ج ١٧ ص ٣١٠.