الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٢٤ - الخلاصة
و صحّته، و الاجتماع و كيفية الاستدلال به. و لقد جاء عن الشّافعي في كتاب الأم أنّه ناظر في كثير من هذه المسائل، و قد كانت طريقة الشّافعي في النقل عن كثير من المناظرات، نقل الحجة عن لسان واحد بدون تعيين، و لعل ذلك طريقة علمية للتوصل إلى إيضاح الأمر و بيانه.
الخلاصة:
و الخلاصة؛ أن العصر الذي نشأ فيه الشّافعي كان أزهر العصور من جهة، و من جهة أخرى كان عصر مشاكل للأمة عند ما استبد ولاة الأمر بأمور المسلمين، فاستأثروا بالأموال، و تحكموا بالرقاب، و خالفوا حدود اللّه مع ادعائهم- الأجوف- بالمحافظة عليها، و قد تجاوزوا الحد في تعدي حدود اللّه و مخالفة أحكامه؛ حتى لقد استعملوا في معاملة الرعية أشد أنواع التعسف و الجور، الأمر الذي دعا رجال الإصلاح و المحافظين على نواميس الإسلام إلى متابعة الإنكار و رفع أصواتهم بالمؤاخذة، فكان نصيبهم القتل و التشريد و ظلمة السجون.
و قد أدّى ذلك الظلم إلى عواقب و خيمة، كان من ورائها عدم استقرار الأمر و ضياع الحق، و قد حاولنا أن نلمس موقف الشّافعي وسط ذلك المعترك، و مواجهته تلك الأوضاع الشّاذة، و هو ذلك الرجل الطموح الذي كان يتحسّس إلى النهوض في وجه الظلم، بانضمامه لجانب العلويين كما نقل عنه. فإنا لم نجد للشافعي موقفا يدلنا بصراحة على إنكاره للأوضاع، و لعل قضية اتهامه بذلك حالت بينه و بين نشاطه و شعوره المتوقد، هذا إن كان لقضية الاتهام أصل، و إلّا فلا شيء يدل على أي أثر هناك، لأن القضية مكذوبة و لا أصل لها.
و لا تهمّنا هذه الجهة، و لكن يهمنا معرفة تأثّره بطابع ذلك العصر، من حيث النشاط العلمي، و التقدم بين أقرانه، لما اتصف به من ذكاء و فطنة. و نحن عند ما ندرس تلك الجهة عن طريق المعجبين به نجد أن له نشاطا عظيما و تقدما فائقا يوم كان ببغداد. و لكن هناك أيضا من ينفي هذا و يصفه بالانسحاب عن ميدان المقابلة لعلماء عصره، و يجعل ذلك سببا لخروجه إلى مصر.
يقول البزاز: كان الشّافعي (رض) بالعراق يصنّف الكتب، و أصحاب محمّد (أي الشيباني) يكسرون عليه أقاويله بالحجج و يضعفون أقواله، و قد ضيّقوا عليه،