الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٢٠ - الزندقة في عرف العباسيين
تلك الآراء التي يأملون من ورائها القضاة على العقيدة الإسلامية، أو إثارة فتن بين المجتمع الإسلامي على الأقل.
و قد نبغ رجال من علماء المسلمين في علم الكلام، و عرفوا بقوة المناظرة و التفوق في الحجّة، و عقدت المجالس و الحلقات للمناظرة دفاعا عن المبادئ الصحيحة و العقائد الإسلامية، و قابلوا تلك النزعات التي نشرت لواء الشك في عقائد ذلك المجتمع، و كان النصر لمن قرّبهم الخلفاء و أدنوا مجالسهم و فتحوا لهم باب قصورهم، أما الذين لم يكونوا كذلك فترد أقوالهم و لا يصغى لما يدلون به من الحجاج، و ما يقيمونه من الأدلّة القوية ذودا عن الإسلام و ذبّا عن حياضه.
و أستطيع أن أؤكد أن تلك الحركات الفكرية كانت لها صلة وثيقة بالسياسة، و هي التي تدير كفتها لتلعب دورها من وراء الستار.
و كانت هذه الناحية و ذلك التطور في الآراء و العقائد من أخطر العوامل التي نجم من ورائها التفكك في المجتمع، و تكوين جماعات تختلف في الآراء، و كلّ يذهب إلى أن الحق في جانبه دون غيره.
الزندقة في عرف العباسيين:
و من المشاكل ذات الخطورة في ذلك العصر، مشكلة ظهور الزنادقة و انتشارهم. و أهم من ذلك هو أن تشخيص الزنديق بطابعه الخاص، الذي يكشف عن شخصيته، لم يكن واضحا عند ما أصبح انطباق هذه اللفظة على معان مختلفة، لأن الاتهام بالزندقة كان لأسباب سياسية، عندها اتخذها الخلفاء وسيلة للقضاء على خصومهم، بل كان هناك من الوزراء من يتخذون من الاتهام بالزندقة سبيلا للكيد و الوقيعة بنظرائهم الذين يحقدون عليهم. لذلك أصبح لفظ الزنديق لفظا مشتركا غامضا، فأطلق على معان مختلفة بعد أن كان يطلق على من يؤمن بالمانوية و يثبت أصلين أزليين للعالم: هما النور، و الظلمة. و هذا المعنى هو المطلوب أولا و بالذات، ثم اتسع المعنى حتى أطلق على كل صاحب بدعة و كل ملحد، بل انتهى به الأمر أخيرا إلى أن يطلق على من يكون مذهبه مخالفا لمذهب أهل السنة، أو حتى من كان يحيى حياة المجون!!!.
كان شريك بن عبد اللّه القاضي لا يرى الصلاة خلف المهدي، فأحضره