الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٩ - مواقفه من ساسة عصره
و شدة محافظتهم على نواميس الشرع. و قد اتضح لنا من سيرتهم ما لا حاجة إلى إطالة البحث فيه.
و قد روى الحسن بن علي بن شعبة أن سائلا سأل الإمام الصّادق عن وجوه المعاش، فكان من جوابه (ع): «... و أما وجه الحرام من الولاية فولاية الجائر و ولاية ولاته، فالعمل لهم و الكسب معهم بجهة الولاية لهم محرم معذب فاعل ذلك على قليل من فعله أو كثير».
و صحّ عن الإمام الصّادق أنّه قال لأصحابه: «ما أحب أن أعقد لهم- أي الظلمة- عقدة أو وكيت لهم وكاء، و لا مدة بقلم. إن الظلمة و أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم اللّه بين العباد».
و كان ينهى عن المرافعة إلى حكامهم، و لا يرى لزوم ما يقضون به، لأن حكمهم غير نافذ، كما كان يشتد على العلماء الذين يسيرون في ركاب الدولة و يأمر بالابتعاد عنهم حيث يقول: «الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتّهموهم» [١].
و قد حاول المنصور أن يستميل الإمام الصّادق في عدة مرات، و لكنّها محاولة فاشلة فلم يزل يبتعد عنه، و يعلن غضبه عليه، و لا تأخذه في الحق لومة لائم. كما أعلن مقاطعته له فكتب المنصور إليه: لو لا تغشانا كما تغشانا سائر الناس. فأجابه الإمام (عليه السلام): «ما عندنا من الدنيا ما نخافك عليه، و لا عندك من الآخرة ما نرجوك له، و لا أنت في نعمة فنهنيك عليها، و لا تعدها نقمة فنعزيك بها فلم نغشاك؟!!» فكتب إليه المنصور ثانية: تصحبنا لتنصحنا. فأجابه الإمام: «من أراد الدنيا فلا ينصحك و من أراد الآخرة فلا يصحبك».
و بهذا يتجلى موقف الإمام الصّادق من حكام عصره، و ابتعاده عنهم، و هو النهج الذي أمر أتباعه أن ينهجوه، و قد أبدى ذلك في كثير من مواقفه و أعلن للأمة وجوب مقاطعة الظالمين و حرمة معاونتهم ليحد من نشاطهم في هضم حقوق الناس، و استيلائهم على مقدراتهم، و استبدادهم بالأمور و جورهم في الحكم.
و كانت محاولة المنصور لجذب شخصية الإمام إليه و طلب الاتصال به لغرض
[١] حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم ج ٣ ص ١٩٤.