الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٨ - مواقفه من ساسة عصره
و كان طابع مدرسة الإمام الصّادق الذي طبعت عليه، و منهجها الذي اختصت به- من بين المدارس الإسلامية- هو استقلالها الروحي، و عدم خضوعها لنظام السلطة، و لم تفسح المجال لولاة الأمر، بأن يتدخلوا في شئونها، أو تكون لهم يد في توجيهها و تطبيق نظامها، لذلك لم يتسنّ لذوي السلطة استخدامها في مصالحهم الخاصة، أو تتعاون معهم في شئون الدولة. و من المستحيل ذلك- و إن بذلوا جهدهم في تحقيقه- فهي لا تزال منذ نشأتها الأولى تحارب الظالمين، و لا تركن إليهم، كما لا تربطها و إياهم روابط الألفة، و لم يحصل بينها و بينهم انسجام. و بهذا النهج الذي سارت عليه، و الطابع الذي اختصت به، أصبحت عرضة للخطر. فكان النزاع بينها و بين الدولة يشتد و العداء يتضخم، فلا الدولة تستطيع التنازل بمنهج المدرسة فتكسب ودها و تسعد بمعاونتها، و لا المدرسة في إمكانها أن تتنازل لإرادة الدولة، فتؤازرها و تسير بخدمتها و تتعاون معها، و كيف يكون ذلك؟! و هي منذ نشأتها الأولى ترتبط بالثقلين كتاب اللّه و عترة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هما متلازمان متكاتفان لن يفترقا في أداء واجبهما لإرشاد الأمّة و هدايتها. فالقرآن ينهى عن معاونة الظالمين و الركون إليهم وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [١].
مواقفه من ساسة عصره:
و من الواضح أن مبدأ العدالة- و هو من أعظم مبادئ الشريعة الإسلامية- أصبح في عهد أولئك الولاة لا يعمل به. فهم جبابرة ظلمة، لا يصلحون لمركز الولاية على المسلمين، و ليس لهم كفاءة على التحلّي بصفات الخلافة، و لا قدرة لهم على تنفيذ أحكام الإسلام، فهم لا يصلحون للولاية و لا تجب طاعتهم بحال. و إنّ في مؤازرتهم و المعاونة معهم خروجا عن أمر اللّه، و مخالفة لكتابه. و بذلك لا تكون ملازمة بين العترة و بين الكتاب إن داهنوا الظلمة أو ركنوا إليهم.
فسياسة أهل البيت تقضي بحرمة معاونة الظالمين، و عدم الركون إليهم.
و منهجهم في توجيه الأمّة لا يتعدّى حدود ما أمر اللّه به، فهم و القرآن يسيرون جنبا إلى جنب في أداء الرسالة و مهمة التبليغ، و هم أئمة للعدل و حماة للدين، و دعاة للصلاح.
و قد برهنوا على أعمالهم بما كانوا يتحلّون به من مكارم الأخلاق، و جميل الصفات،
[١] سورة هود، آية ١١٣.