الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٤ - نظرة في التعصّب المذهبي
فإنّهم يردون كلام النبيّ المعصوم- مع اعتقاد صحة سنده- لقول نقل عن إمامهم، و يتعلّلون باحتمالات ضعيفة) [١].
كما و قد دفعهم التعصّب إلى أنّهم (إذا وقفوا على آية محكمة، أو سنّة قائمة، أو فريضة عادلة تخالف مذهبهم، صاروا يؤولونها على غير تأويلها، و يصرفونها عن ظاهرها إلى ما تقرر عندهم من المذاهب و المشارب، و طفقوا يطعنون على من عمل بفحواها الظاهر و مبناها الباهر، كأن الدين- عندهم- هو ما جاء عن آبائهم و أسلافهم دون ما جاء عن اللّه في كتابه، أو عن رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)) [٢].
و مهما يكن من الأمر فإن تلك الاتجاهات كانت من تدخّل عناصر دخيلة في الإسلام، بعيدة عن مبادئه، و إلّا كيف يصح أن يقدم مسلم تشبّعت فيه روح الإسلام إلى هذه الأمور المخالفة للحق، و التي يتبرأ منها الإسلام، كما أن أئمة المذاهب هم أنفسهم لا يعرفون ذلك في أنفسهم.
و لو استنطقنا تاريخ حياة أولئك الأئمة، لأجاب بالإنكار على ما يرتكبه المتعصّبون من مخالفة الواقع، و قد ألّفوا كتبا تختص بمناقبهم، و جمعوا فيها ما لا يقبله العقل، و لا يرتضيه الذوق، من أمور لا صلة لها بالواقع. كما قد تساهلوا في نقل كل ما سمعوا، و أثبتوا كل ما وجدوا، من دون التفات إلى المؤاخذات.
و يجب علينا- إن أردنا دراسة شخصية أحد من أئمة المذاهب، أو إعطاء صورة عنها- أن لا نقتصر على اقتفاء ما نقلته ألسنة المعجبين به. فإن العقل يشهد بوضع أكثرها، و عدم ارتباطها بالحقيقة، و لهذا كان البحث عن المذاهب أمرا شاقا مجهدا؛ لما يكتنف الموضوع من غموض و تعقيد، و يحتاج إلى تأمّل و استفراغ واسع، لإعطاء النتيجة عند الوصول إلى الغرض المطلوب. و ربما يبدو للبعض سهولة البحث في الموضوع. و لكن الحقيقة غير هذا، بل هو موضوع شائك يحتاج إلى جهد و عناء.
و الخلاصة: إن مشكلة التعصّب للمذاهب الأربعة هي أعظم مشكلة حلّت في المجتمع الإسلامي، أدّت إلى اختلاف في الآراء، و تشتت في الأهواء، و اضطراب حبل المودّة، و تكدير صفو الأخوّة. و كان من وراء ذلك خطر عظيم، و انحطاط
[١] الوحدة الإسلامية للسيد رشيد رضا ص ٤٥.
[٢] الدين الخالص للسيد محمّد صديق حسن ج ٣ ص ٢٦٣.