الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٣٨ - الالتزام بالمذاهب الأربعة
النمل و هم لا يشعرون، و كان سبب ذلك تزاحم الفقهاء و تجادلهم فيما بينهم) [١].
و بلغ الأمر بهم في صوغ عبارات المدح و الثناء إلى ما يقف العقل أمامه موقف الرد و الإنكار، كما ذهبوا إلى أعلمية هؤلاء الأئمة على جميع المسلمين، و أنهم بلغوا درجة العصمة عن الخطأ؛ و أن اللّه لا يقبل عمل عامل إلّا من طريقهم و كل يعتقد أفضلية إمامه على بقية الأئمة، و أن مذهبه هو الصواب.
إلى غير ذلك من التفريط و الغلو، مما لم يعرفه معاصرو أولئك، و لم يجدوه هم في أنفسهم.
الالتزام بالمذاهب الأربعة:
تطورت الدعوة إلى المذاهب الأربعة، و تكثرت العوامل لاتباعهم بصورة خاصة، و قد ذكرنا في الجزء الأول أسباب نشأتها و عوامل انتشارها بما لا حاجة إلى إعادته.
و الغرض: إن الالتزام بهذه المذاهب الأربعة كان بصورة تدريجية، حتى أدّى ذلك على مرور الزمن، إلى أن ينحصر أخذ الأحكام عنها دون غيرها من المذاهب الإسلامية على كثرتها و انتشارها.
و الشيء المحصل من جميع الأقوال أن الأخذ بها و لزوم التقليد كان في القرن الرابع، أما الالتزام بها دون غيرها و وجوب أخذ أقوالهم و ترك أقوال الآخرين و عدم السماح بالاجتهاد و الاستنباط يرجع تاريخه إلى سنة ٦٤٥ ه و ذلك عند ما رأت السلطة أن تحصر الأخذ عن المشايخ الأربعة: أبي حنيفة، و مالك، و الشافعي، و أحمد.
فأحضر مدرسو المدرسة المستنصرية إلى دار الوزير، و تقدم إليهم أن لا يذكروا شيئا من تصانيفهم، و لا يلزموا الفقهاء بحفظ شيء منها، بل يذكرون كلام المشايخ تأدّبا معهم و تبرّكا بهم، و أجاب جمال الدين عبد الرّحمن بن الجوزي- مدرّس الحنابلة- بالسمع و الطاعة، ثم مدرس المالكية سراج الدين عبد اللّه الشرمساحي، و قال: ليس لأصحابنا تعليقة، فأمّا النقط من مسائل الخلاف فما أرتبه.
و أما شهاب الدين الزنجاني مدرس الشافعية، و أقضى القضاة عبد الرّحمن بن اللمغاني مدرّس الحنفية فإنهما قالا ما معناه: (إن المشايخ كانوا رجالا و نحن رجال).
[١] حجة اللّه البالغة ج ١ ص ١٥٣.