الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٢ - تفاوت المذاهب في الانتشار
أو ذات غيرك، أو سوء سيرة في الرعية، فاكتب إليّ بذلك، أنزل بهم ما يستحقون، و قد أكتب إلى عمالي بها أن يسمعوا منك و يطيعوك في كل ما تعهد إليهم، فانههم عن المنكر و أمرهم بالمعروف توجر على ذلك، و أنت خليق أن تطاع و يسمع منك [١].
و كان مالك يأمر الحرس ليأخذوا شخصا إلى السجن، و يأمر بإطلاقه حين يرى ذلك. و يجلس مالك عند الوالي فيعرض عليه السجن فيقول له: اقطع هذا و اضرب هذا مائة و هذا مائتين و اصلب هذا إلخ [٢].
و على أي حال فإن مالك بن أنس قد لحظته الدولة و قرّبته، إذ وجدت منه عونا و مؤازرة، فقرّبوه و أحسنوا إليه، و رفعوا مجلسه، و نشروا علمه، و أجزلوا له العطاء، و أصاب منهم ثروة طائلة، و مع هذا فهم مدينون لمالك في مؤازرتهم و معاونتهم و الركون إليهم.
و كان انتشار مذهبه في الأندلس يرجع لفضل القضاة، و قوة السلطة، إذ حملوا الناس على اعتناق مذهبه بالسيف كما مرّ بيانه.
أما المذهب الشافعي فقد تعرّضنا لذكره و عوامل انتشاره، و ستأتي زيادة بيان في ترجمته، كما تعرّضنا لانتشار مذهب الإمام أحمد، و قد رأينا الإعراض عنه محسوسا.
و لم يكن كغيره من المذاهب شهرة، بل اقتصر انتشاره في بغداد أما في سائر الأقطار فكان قليلا جدا، حتى إن بعضهم لم يعدَّه من المذاهب المعمول بها، و ذكر مكانه مذهب الظاهري.
و لما امتد سلطان العثمانيين أصاب المذهب الحنبلي ضربة قاضية، و أخذ المذهب يتضاءل شيئا فشيئا. أما في مصر فلم تكن له أي شهرة هناك، فقد كان في العصور المتأخرة عدد شيوخ الأزهر ٣١٢ شيخا من جميع المذاهب، و عدد طلّابه ٩٠٦٩، و كان من بينهم ٢٨ طالبا من الحنابلة، و ٣ شيوخ منهم فقط، و لكنه ظهر في القرن الثامن عشر ميلادي في صورة قوية جديدة، بظهور الوهابيين الذين يتبيّن في مذهبهم أثر تعاليم ابن تيمية. و قد تطرّفوا في ذلك إلى حدّ بعيد، و سيأتي الكلام على ظهورهم و تعاليمهم عند كلامنا في مذهب أحمد بن حنبل.
[١] مالك الخولي ص ٣١٨.
[٢] مالك الخولي ص ٣١٩ نقلا عن القاضي عياض في الترتيب ج ١ ص ٢٧.