رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٥٣٠
لأعجزُ عن الإحاطة بالمعاني القرآنية في مقاصدها البعيدة.
وجرى الحديث عن الذكاء العربي، فسمعت سماحته يصنّف هذا الذكاء فيجعله في مختلف الأقطار العربية متفاوت الدرجات، يعلو فيبلغ حدّ الألمعية، ويسفل فيتردّى تفاهةً وسخافةً. أمّا في بلاد الشام فيحتفظ بطابعه الخاصّ من العدل حيث لا سموّ ولا إسفاف، وهذا في رأيه خير الأنواع موافقة للحياة.
وسيادته معجب بالخلق الأوربي العملي، قال لي ذات مرة: أتدري ما سرّ نجاح هؤلاء السكسونيين؟ إنّهم أخذوا عن الإسلام ثلاث فضائل، هي قوام ما بلغوا من قوّة ومنعة: التفكير العميق، والعزم المصمّم، والثبات الدائب. فهم يفكّرون مليّاً، ثمّ يعزمون عزماً أكيداً، ومتى جنحوا إلى العمل ثبتوا ثباتهم العجيب إلى أن يفوزوا بالغايات والمطاليب.
ومن أخبار وطنيّته ونزاهته وسموّه النفسي أن الفرنسيين عرضوا على سماحته منصب رئاسة العلماء والافتاء بمعاش كبير، مشفوعاً بدار للسكنى وسيارة خاصّة، وأرسلوا أحد الضباط من بيروت إلى دمشق كي يعرض عليه الرأي، فلمّا أن مثل بين يديه في صومعته الصغيرة، وكنت ترجمانه، قال الضابط: إنّه قدم لزيارته ثلاث مرات حتّى أسعده الحظّ بلقياه.
فما كان من سماحته إلا أن أمرني بأن أكذّبه ؛ لأنّه لم يحاول الزيارة أكثر من مرّتين، فتلطّفت بنقل تكذيبه إلى الضابط الذي اعتذر للحال عن خطئه، وكان يترقّب كلّ جواب إلاّ الجواب السلبي الذي جابهه به سيّدنا الأمين إذ قال:
«إنّني موظّف عند الخالق العظيم وسيّد الأكوان، ومن كان كذلك لا يمكن أن يكون موظّفاً عند المفوض السامي، فاشكره بالنيابة عنّي على ثقته بي، واحمل إليه أن المعاش الكبير والمركز الخطير والدار المنيفة والسيارة الرفيهة، كلّ أولئك قد