رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٥١٩
ثمّ إنّ وعي الشيخ محمّد عبده، في جهوده الإصلاحية، وحصر منهجه ووسيلته في حدود الكشف عن مواطن الخلل والفساد (حسب رؤيته)، ثمّ الوعظ والتحريض بغية التصحيح، يدلّ بشكل واضح على أنّ الإمام إمّا أنّه لم يوظّف إمكاناته لطرح المنهج الإصلاحي الذي تستوجبه ضرورات التغيير الجذري لوقائع المجتمع المصري آنئذٍ...
وإمّا أنّه لم يُرد (بقصور في الوعي منه) بجهوده تلك الخروج على توازنات قوى الواقع للمجتمع المصري في بناه وهيكليته التقليدية المهترئة، وذلك تثبيتاً لجذور انتمائه (انتماء الشيخ) الطبقي أو الفئوي، وحتّى لجاهه الاجتماعي، (... وإن في مجتمع المدينة في القاهرة)، وبذلك يأتي الإصلاح في مجاله الأُفقي أي داخل الطبقة أو الفئة فقط...
وإمّا أنّه أراد (بوعي منه) الحفاظ على مراكزه أو على وظائفه في الإدارة والمؤسّسات... وعلى علاقاته النوعية (الفئوية)، وبذلك يكون طرح «الإصلاح» تصحيحاً للأوضاع بغية تثبيتها ودفعها للاستمرار... وخاصة أوضاع الانقسام الاجتماعي والتسلط الطبقي.
وإمّا أنّه بطريقته الإصلاحية تلك عكس واقعه النفسي، حيث الخوف والحذر وتأبّي الأذية من قوى الترهيب والقمع... وبالتالي لعدم ثقته بنفسه بامتلاك القدرة والعزم على التغيير الجذري.
وهذا بدوره يوضح واقعه القيمي، حيث التناقض بين ما يعلنه من أطروحات ثورية على صفحات الجرائد... وعبر المناقشات والخطابات، وبين ما تقتضيه تلك الأطروحات من أساليب ومنهجية أصيلة، بحيث تتلازم الطريقة مع الأطروحة المبدئية...