رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٤٥٦
الصغير كان يداخله زهو بالغ من سيرة الشاب الهمام المقدام.
ألم يتلمّح من ثنايا تلك السيرة وجه صاحبها الرائع، فيتعرّف فيما يطالعه منه ما ورثه من مخايل النجابة وبعد النظر والحزم؟
أو لا يراه - في دامس المحنة - يضرب بحديد بصره في حاشية الجزّار فيتخيّر لصداقته أميراً مصرياً يعقد به أواصر المودّة ويتساقى معه في مكتبه رحيق المعرفة، حتّى إذا دار بالجزّار وبخليفته سليمان الدهر ألفاه - في شخص عبد اللّه باشا - مقتعداً سرير عكّا، فيفد عليه ويجد عنده الحظوة والرعاية؟
أمّا الحظوة، فأعظم بها بادرةً يوم أعلى الصديق كعب صديقه في الفقهاء، إذ كان له الفلج عليهم في إيجاد مخرج ليمين كادت تحرم على الأمير زوجة حبيبة!
وأمّا الرعاية، فناهيك بالصوّانة ضيعة وافرة الغلّة زهيدة الخراج يقطعها الصديق صديقه، وليس من ذنبه بعد ذلك إن جاء الحسّاد - على وغر في الصدر مكنون - يدسّون السمّ للمنع عليه في قهوة البن، وأكبادهم تتلظّى موجدة وكيداً!
في ذلك الجو المليء بالمآسي والمفاخر والمحامد ديناً ودنيا، تتفتح مخيّلة السيّد محسن ابن السيّد عبد الكريم: أنى تلفت ذهن الغلام اليافع لم يبصر إلاّ مواكب ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا﴾[١]! فيم إذن لا يجتذبه نداء مناديهم وقد قرع سمعه من أغوار التاريخ؟
وعلام لا يتخذ عدّته فيغذ السير للحاق بركبهم والوقوف في صفهم؟
إلاّ ليهرع إلى مدارس ناحيته فلينكب على كتاب اللّه وحديث رسوله، وليجهّز نفسه بعلوم الآلة التي قيل له: إنّها لهما بمثابة المفاتيح.
[١] البقرة ٢ : ٦٩.