رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٣٩٦
ندري ما وجه وجوبها؟! ومن أيّ شيء تخرج؟! وما قدرها؟! وفي أي محلّ تصرف؟
ومنها: تحريمه المعاملة مع البانق[١].
وأُورد عليه بأنّ الحاج حسين العطيّة قد حوّل إلى حجّتي الإسلام النائيني والسيّد أبو الحسن الأصفهاني مبلغاً من خيريّة الحاج موسى العطيّة على شعبة البانق في الحلّة، فكيف ساغ لهما القبض وهو من وجه خاصّ؟
فأجاب بأن قبضهما لذلك المبلغ من وجه آخر، غير ذلك الوجه.
قلت: لوكان الأمر كما ذكر، لوجب عليهما البيان بأنّ الجهة الخاصّة التي عيّنت الدراهم لأجلها لم تفرغ الذمّة منها، ولايمكن حملهما على الغفلة؛ لكثرة ابتلائهما بالبانق، وابتلاء من قبلهما من العلماء وجميع الفضلاء في الأعصار المتتالية، والجميع يقبضون الحوائل من الوجوه التي عيّنت لها.
ثمّ إنّي لست أعلم، لم تحرّم المعاملة بالتحويل والصرف مع البانق، إذا لم تُعلم حرمة شخص ا لمال المقبوض منه، ولم يكن كلّ ما تحت يده محلاًّ لابتلائنا؟!
وكذا المعاملة بالرّبا مع بعض أفراد البانق! كما أنّه في مقام حرمة المعاملة الربويّة معه ووقوعها، لا أعرف وجهاً لحرمة قبض أصل المال من البانق بالوجه الخاصّ حتى يحتاج إلى قبضه بوجه آخر، فعلى جوابه يذهب كلّ مال وضع في البانق هدراً.
ومن تهوّراته ما صدر له مع شيخ حبيب قُرين[٢]، وجملة الواقعة: أنّ جناب
[١] أي البنك، وهو المكان المخصوص لحفظ الأموال، وأصله «ping».
[٢] ذكره الشيخ الطهراني في «الذريعة» ٢٤: ٢٣٤،١٢١٣ عند ذكر كتابه «نفع الزاد ليوم المعاد» قائلاً: «رسالة عمليّة لحبيب اللّه بن صالح الأحسائي نزيل البصرة، المتوفّى سنة ١٣٦٤ ه ، طبع في النجف، ورجع إلى تقليده أهل الأحساء بعد وفاة السيّد ناصر، وبعد موته رجعوا إلى تقليد الشيخ محمّد رضا آل ياسين، وقام مقامه في إقامة الصلاة بمسجده في قرية «فردلان» على شطّ العرب قبال عشّار البصرة ولده موسى بن حبيب».
وذكره السيّد هاشم محمّد الشخص في كتابه «أعلام هجر» ١: ٢٦٢ - ٢٦٨. قائلاً: «الشيخ حبيب اللّه ابن الشيخ صالح ابن الشيخ علي القريني الأحسائي فقيه مجتهد ومرجع تقليد، أصله من القرين، إحدى قرى الأحساء الشمالية، ولهذا يقال له: «القريني» و«ابن قرين». وبيته من البيوتات العلميّة، وجلّ آبائه كانوا من العلماء الفضلاء.
ولد في قرية «گردلان» من توابع البصرة حدود سنة ١٢٧٥ ه ، وفيها تربى وقضى أيامه الأولى ودرس في النجف على شيخ الشريعة الأصفهاني، وبعد إكمال دراسته عاد إلى «گردلان» وأصبح زعيماً مطاعاً ومرجع تقليد، ثمّ رجع إلى الأحساء.
توفّى ليلة الاثنين ٢١ محرّم سنة ١٣٦٣ ه ، ودفن في مدينة الهفوف في إحدي مقابرها المعروفة، وأقيمت له المجالس، ورثاه عدد من الشعراء.
له مؤلّفات عديدة منها: نعم الزاد ليوم المعاد - وهي رسالته العمليّة - وحواشي متفرّقة على جملة من الكتب، وبعض الرسائل والأجوبة، وكتاب في الردّ على البهائية، ومناسك الحج، ورسالة في العقائد مختصرة».
أمّا الخلاف بينه وبين الشيخ حبيب قرين، فقد ذكر في ترجمة الشيخ مايلي:
حين كان المترجم له في الكويت بعد عودته من النجف، كان أحد علمائها المقيمين هناك السيّد مهدي القزويني الكاظمي المتوفّى سنة١٣٥٨ ه ، وكان العلمان قطبين بارزين على الساحة الكويتية. فحصل أن قام من ذوي السوء بالوشاية بالشيخ حبيب عند السيّد، وادّعوا - زوراً وبهتاناً - أن الشيخ حبيب يعتنق العقيدة الشيخية، فشن السيّد على المترجم له هجوماً عنيفاً، وألف فيه كتابه الموسوم بوار الغالين المطبوع سنة ١٣٣٢ ه .
واستمر السيّد في مهاجمة الشيخ بعد أن انتقل العلمان إلى البصرة، والشيخ حبيب لزم جانب الصمت ولم يرد بشيء، إخماداً لنار الفتنة وحفاظاً على وحدة الكلمة، لكن الموقف تضخّم واتّسعت الهوة بين الطرفين لمساعدة بيئته (البصرة) على ذلك.
عندها رأى أحد أعلام البصرة أنذاك وهو الحجّة الفقيه الميرزا محسن الفضلي الأحسائي أن يقوم بالصلح بين الطرفين، وكانت تربطه بكل من السيّد والشيخ علاقة خاصة.
يقول الدكتور الشيخ عبدالهادي الفضلي - نجل الميرزا محسن - في روايته للقصة: «فاختار (يعني الميرزا محسن) - كما سمعت ذلك منه رحمه اللّه - الخطيب الشيخ عبدالحميد الهلالي والأستاذ محمّد جواد جلال ليكونا معه حاضرين وشاهدين على ما يدور من حوار بينه وبين كلّ من طرفي الموقف.
فبدأ (الميرزا) بمقابلة السيّد القزويني ومفاتحته بالسعي للصلح بينه وبين الشيخ آل قرين. وبدأ - قدّس سرّه - حديث الصلح مع السيّد بقوله: ما الذي تأخذه على الشيخ آل قرين؟
قال: اعتقاده معتقد الشيخية.
قال: لو أثبتنا لك بالوثائق المصدّقة التي لاتقبل الردّ أن اعتقاده لايختلف عن اعتقادنا ماذا سيكون موقفك؟
قال: هو الحلّ الذي سيؤدي إلى الصلح من غير ريب.
وأشهد - يرحمه اللّه - رفيقيه الخطيب الهلالي والأستاذ جلال على المحضر.
وذهبوا إلى (گردلان) يمخرون عباب شط العرب بزورق شراعي عشاري وقابلوا الشيخ القريني وفاتحه الوالد (الميرزا محسن) بموضوع الإصلاح بينه وبين السيّد القزويني، فرحّب بذلك مستبشراً ليقضي على الفتنة التي امتد أوارها بازدياد من الكويت إلى البصرة.
فطلب (الميرزا) من الشيخ حبيب أن يكتب معتقده بخطّه ويختمه، فأجاب، وعادوا بالجواب وثيقة مدوّنة بخطّ يده وممضاة بختمه الرسمي إلى السيّد القزويني.
وعندما اطلع السيد القزويني على الوثيقة تراجع عن موقفه، وصعد المنبر ظهر يوم الجمعة في مسجده المعروف بمسجد السيّد ناصر عبد الصمد، وبعد أن أنهى مقدّمة خطبته بالبسملة والحمد له والثناء على الباري تعالى بما هو أهله والصلاة على نبيّنا محمّد وآله، أثنى على الشيخ حبيب آل قرين ثناءً عاطراً.
وقال - فيما قال من ثناء -: (لوكان الأئمّة المعصومون ثلاثة عشر لقلت: الشيخ آل قرين هو الثالث عشر).
وجمع الميرزا بينهما في مجلسه، ثم أقام كلّ واحد منهما للآخر وليمة كبرى في داره، وتمّ الصلح بينهما، وانتهى ما كان إلى إخوّة ووئام.
وفيما يلي نصّ الوثيقة التي كتبها الشيخ حبيب لبيان معتقده:
بسم اللّه الرحمن الرحيموالحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطيبين الطاهرين، والذي أعتقده وأواجه اللّه به يوم القيامة هو أن اللّه واحد لا شريك له في ذاته ولا عبادته ولا في خلقه ولا رزق ولاحياة ولا موت، وأنه لم يفوّض لأحد من خلقه شيئاً من ذلك ولا ذرّة من ذرات الوجود، وأن محمّد بن عبداللّه عبده ورسوله بالمعاجز كانشقاق القمر وتسبيح الحصى في كفه، والآية الباقية هو القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حكيم، وانّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم عرج بجسمه الشريف بل بثيابه ونعليه، وأنه لاينطق عن الهوى، وأن على بن أبي طالب عليه السلام وصيّه وخليفته من بعده بالنصّ الجلي عليه منه، وبعده ابنه الحسن عليه السلام لنصّه عليه للبراهين الواضحة، وبعده الحسين عليه السلام حتى انتهت النوبة في الإمامة إلى الغائب المنتظر محمّد بن الحسن عجل اللّه فرجه، وأن اللّه يبعث من في القبور ويعيد هذه الأجسام الدنيوية فيجري عليها الثواب والعقاب.
على ذلك أحيا وأموت وأبعث حياً بعد الموت، وأبرأ إلى اللّه من خلاف ذلك وممّن يعتقد خلاف ذلك من شيخي وغيره. و استنباطي للفروع فعلى ما عليه أصحابنا الأصوليون، وأعتقد أن معتقدي هو اعتقاد الفرقة المحقّة. وما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكّلت وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، وأبرأ إلى اللّه من كلّ معتقد للشيخيّة ليس معتقداً للشيعة وإني في الاستنباط أصولي، ربيع الاول ١٣٤٩ ه .
تراب أقدام خادم شريعة سيّد الثقلين حبيب بن قرين.