رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٥٢٧
قصدنا إلى سرد جملة من أخباره الخاصّة المتفرّقة، كيما نوحي إلى القارىء بلسان الواقع بامتياز قدره وقدر امتيازه.
وقصدنا كذلك إلى أن يكون في أخباره المختلفة في ألوانها ما يحيط بالكلام عن حياته مجتمعة ؛ ليكون الحكم آخذاً في منزلته من السداد والصواب.
إنّ صلتي بسماحة المترجم قريبة متّصلة قوية، جاورته في مسكنه مذ كنت حدثاً صغيراً، فوقفت على الكثير من حياته. وكنت طالباً في المدرسة العلوية التي أنشأها، فما كان يغيب عنّي شخصه، وأذكر أنّ سماحته حضر أحد الفحوص السنوية، وكنت ما أزال في العقد الأوّل، فاستكتبنا إملاء عن اللغة وقيمتها، فكان في جملة ما أجبت: «للغة شأنها الخطير حتّى أنّ الإنسان ليقوّم بنسبة ما يتعلّم من أنواعها، فكلّ لسان بإنسان»، فاستحسن سماحته ما أنشأت ومنحني يومئذٍ العلامة الأولى.
وكثيراً ما كنت أجوز بعمّ زاهد كاسمه اتّخذ العطارة معاشاً، وهو من المصطفين عند سماحة المترجم يقصد إلى حانوته عصارى كلّ يوم ليقضي بعض الوقت: إمّا استجماماً من العناء، أو ترقباً لحلول المساء كيما يقضي الصلاة الجامعة في المسجد القريب.
فكان رحمه اللّه يستوقفني ليسألني عن حالي وأشغالي، ولحظ منّي ذات يوم أنّي أطالع بعض الأوراق، ولمّا علم أنّ بين يدي بعض الشعر من نظمي أكبر هذا السخف الذي أنتهي إليه، ثمّ تظاهر بالشكّ في أن يكون لي، كأنّما أراد أن يشجعني بذلك، وختم يشحذ همّتي للاستمرار في الكتابة والمطالعة بلا انقطاع ومن غير أن يخامرني الوجل، فكان لهذا الموقف أثره الذي لا أزال أذكره، وقد أعانني على المضي في حياتي الأدبية ما يلويني عنها نقد أو تثبيط.