رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٤٦٤
التوّابين بعين الوردة، الذين استماتوا في صفوف سليمان بن صرد والمسيب الفزاري ثأراً لدم الحسين!
وبعد أيها السادة فإنّ أسفي شديد لأنّي لم أسعد بلقاء زميلكم والتعرّف عليه عن قرب، حتّى أجلو لكم خصائص خلقه وشخصيّته، ولكن أصدقاءه وتلامذته يرسمون له صورة تستهوي الأفئدة في بساطتها وسمّوها على السواء.
لقد أشادوا بما عرفوا فيه من تواضع وزهد بالجاه، وعزوف عن المنزلة، واحتقار للمظاهر الباطلة الغرارة.
ذكرو أنّه ما بالى قط متاع الحياة، فاجتزأ بما يسدّ البلغة ويقوم بالأود، كان يسعى لشأنه بنفسه، ويباشر بيده تهيئة طعامه غير حافل برفاهية أو مشرب، ولا ملتفت إلى زينة في شارة أو كسوة... كذلك شأن العظماء ينكرون ما أسماه نيتشه «فلسفة الخيّاطين» فلا يؤمنون أنّ الثوب يخلق الراهب، ولا أنّ الزنار المفضض خير من الذكر الحسن.
ولقد صوّروا ما رأوا فيه من ورع وتقوى وعفّة يد ولسان، وشهدوا أن «الآلاف ذهباً كانت ترد عليه فما يمسّها ويحوّلها للحال إلى وجوه الخير»، بل ربما أنفق ماله على تأسيس المدارس ووقفها في عصر أذلّ فيه الحرص أعناق الرجال.
كذلك شأن الزاهدين الأصفياء أزكياء النفوس يحقّرون الاستكثار ويأنفون من التكالب على ا لرزق ؛ لأنّهم لا يقيسون الفضل بذلك المقياس العجيب الذي حدّثنا عنه يوماً أحد عمداء العلم وأسماه «مقياس عدد الأصفار»!
ثمّ هم أطبقوا على جودة رأيه، وشجاعة قلبه، وثبات جنانه، وتحرّره من العصبية والجمود، ونهوضه بما يعتقد أنّه حقّ.