رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٨٨
الظلم قطعاً، وإلاّ كان عليه أن يلتزم بحرمة ارتكاب المهن المجهدة للنفس والبدن من حرفة أو صنعة[١]، ومع عدم صدقه فأيّ دليل من العقل والنقل - كما يقول - على حرمته؟! بل أيّ دليل على الحرمة إذا تجرّد عن كلّ غرض عقلائي؟! إذ غاية الأمر صيرورته حينئذٍ فعلاً عبثيّاً.
ولا برهان من العقل والنقل يدلّ على أنّ كلّ فعل ليس للعقلاء فيه فائدة مقصودة معتدّ بها قبيح عقلاً ومحرّم شرعاً، فإنّ العناوين القبيحة العقلية معلومة، وليس العبث منها، وموضوعات الأحكام التحريميّة معروفة حسبما يستفاد من الأدلّة الشرعيّة، وليس هو أحدها. لكنّي لا أستبعد من بعض أهل الأذواق اللطيفة أن يقول حينئذٍ هو فعل «همجي وحشي جنوني» إلى غير هذه الألفاظ من أمثالها، ونحن نلقي إليه بكلّ صراحة هذا الجواب:
إنّ هذه السفاسف الرائجة لا يعتني بها الفقهاء، إلاّ أن يقوم البرهان عندهم على حرمة عنوان الوحشية والهمجية وإن لم يكن فيه خروج عن الحدود الشرعيّة.
ولعلّ من هذا كلّه يحصل اليقين بالفرق بين الإيذاء والإضرار، وأنّ الإيذاء بجميع أنواعه لا دليل على حرمته، ومنه جرح الإنسان رأسه بسيف أو مدية، وضرب ظهره بسلسلة، ولدم صدره حتّى يسود وحتّى يسيل منه الدم.
وأمّا الإضرار، فما يكون منه ظلماً للنفس بالءقائها في مهلكة وتعريضها
[١] كالعمل في المعامل الحديدية وأتونات البواخر والحمامات، وقس على ذلك حرث الأرض بالآلات العادية القديمة، وطرق الحديد بالمطارق الثقيلة، ومزاولة عمل البناء في حماوة القيظ وصبارة القرّ وغير ذلك ممّا يوجب إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها.