رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٥٢٠
وهو في موقفه هذا يبدو وكأنّه تحت وطأة الحاجة إلى الشعور بالأمن والاطمئنان، أو تحت وطأة الرغبة الجامحة إلى احتلال مناصب أو مراكز في الإدارة أو حتّى في السلطة... يبدو يمالىء أصحاب الحول والطول بحسب ضرورات مصالحه الذاتية والدنيوية (مثال تقرّبه للخديويات وبخاصة الخديوي عبّاس... وحتّى من اللورد كرومر - ممثّل بريطانيا في اللجنة الثنائية التي أشرفت على إدارة مصر أثناء ما أُسمي بالأزمة المالية أو بالانهيار المالي...).
وإمّا أن تكون مجهودات الشيخ تنفيساً فقط عما يعانيه من إشكاليات نفسية...
وعليه تأتي مواقفه الكلامية، بطابعها الناري، تعبيراً عن ذلك الاحتقان وتلك المعاناة، من الكبت والإحباط المضنيين بالنسبة له، وفاضحة في نفس الوقت لقصوره عن عدم قدرته على اتباع أسلوب التغيير النوعي الذي تقتضيه ظروف الواقع المصري المهترىء.
ولنفترض أنّ طرح الشيخ «الإصلاح الديني» كان بغية تصويب تصرّفات وسلوك الإنسان المسلم بعامّة، والمسؤول بخاصّة، فما ذلك إلاّ لكون الشيخ محمّد عبده يريد للمسلمين أن يتوجّهوا في حياتهم الاجتماعية (بالطبع على كافّة مستوياتهم وتنوعاتها...) وجهة تكليفية...
إذاً فكيف يفسّر لنا الإمام موقفه المعروف والمعروض على صفحات هذا البحث (بالطبع الموقف من خلال التراث...) وهو يعيش الواقع المصري اللاإنساني، وبالتالي الإسلامي، والذي شارك في استمراره، بطريقة وبأخرى.
ذلك الواقع الذي يستوجب ليس فقط ثورة عرابي (في معناها الإنساني...) بل ثورة المسلمين الأصيلين الملتزمين الذين وقفوا في تاريخ الحضارة العربية