رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٤٩١
بينما الأمين كان مقتدياً بالإمام علي بن أبي طالب عليه السلام من حيث احتقار المادّة والاعتداد بسلامة النفس، وبالعلم والعمل. وكان متواضعاً مجدّاً رصيناً.
ونسمع الشيخ محمّد جواد مُغنية يقول فيه: «ما تجلّت هيبة الحقّ في شيء كما تجلّت في حياته المتواضعة وزهده في زُخرف الأرض وزينتها... كانت له صورٌ للهيبة والجلال ؛ تتعدّد بتعدّد من ارتدى عمّة مثل عمّته ولبس جُبّة وقفطاناً كما لبس، وقد أعار لكلّ واحد صورة أكسبته احتراماً وتقديراً، حتّى إذا ذهبت تلك الصورة عدا الدخيل واستردّ المستعار برز الجميع عُراة إلاّ من لبس ثوبه وحاكه على نوله»[١].
يبدو من التحليل السابق أنّهما توأمان، على الرغم من فارق سنة الولادة، فإن دلّ ذلك على شيء فإنّما يدلّ على ما في شخصيّتيهما من الأصالة العربية الإسلاميّة، ويدلّ أيضاً على ما كان يتمتّع به كلّ منهما من الاستعداد، سواء بالفطرة أو بالتربية، ليكونا مسلمين مثاليين.
وأمّا من حيث الدراسة الأولى وظروفها، فإنّ الشيخ محمّد عبده بدأ رحلته تلك من كُتّاب القرية... وقد تعرّض في هذه المرحلة لمصاعب كاد على أثرها أن يتخلّى عن طلب العلم والعودة إلى حياة الفلاحة وزراعة الأرض، وأقلّ تلك المصاعب هو في كون الواقع التعليمي مُحبطاً لطموحاته واستعداداته ولآماله المستقبلية.
لكن خاله لأبيه أنقذه من تلك الحالة... جاء بعد ذلك إلى الأزهر في القاهرة لمتابعة الدراسة... لكنّه اصطدم بواقع التعليم (مادةً ومنهجاً ومدرّساً) المتخلّف
[١] حسن الأمين تحقيق، السيّد محسن الأمين حياته بقلمه وأقلام الآخرين، صيدا،
مطبعة العرفان سنة ١٩٥٧م، ص٢١٩.