رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٤٥٩
في هذا الطور من حياة زميلكم تغنى بضاعته ما شاء اللّه أن تغنى، وتطول باعه في الدراية والنظر.
إنّه لا يكتفي أن يقرأ المنطق والفرائض والأصول سطحاً وخارجاً على أيدي مشيخة أعلام كالهمذاني والخراساني والأصفهاني ومحمّد طه نجف، وغيرهم من أئمّة العرب والعجم، بل هو يشرع في التأليف - على كثرة الهموم والعيال - فيحبر مجلّدات في الفقه والتوحيد والأخلاق، ويجمع كتباً في التاريخ والحديث والجدل، حتّى يطبق أساتذته على أنّه «ترقّى من حضيض التقليد إلى أوج الاجتهاد».
بيد أنّ لواعج الشوق إلى الديار تبرح بزميلكم قبل أن يهدف إلى الأربعين، فلا ضير عليهم وقد نال بغيته من دار هجرته، أن يرجع إلى الوطن حاملاً معه مشعل دعوته.
ولأمرٍ ما يعزم أن تكون عاصمة تلك الدعوة دمشق، مذ ذاك يتّخذها سكناً لا يبرحه، اللّهم إلاّ لحجّ أو منسك أو إقامة يسيرة في مسقط رأسه. ومذ ذاك تستعدّ هذه المدينة السمحة لشهود نشاط شيعي منقطع النظير، فكأنّ الزمان شاء لبني هاشم - خلال خمسين سنة كاملة - أن يعيدوا مع بني عمّهم من ولد مروان حساب التقاصّ في دار أموية...!
لستُ أقوى سادتي على تناول هذا النشاط الهائل في تفصيله ولا مجمله، وبحسبكم لتصور الحرج الذي داخلني من هذا الشأن، أن تعلموا أن مجمعكم - زاده اللّه بسطةً في العلم - بعث إليَّ من أجل إعداد هذه الكلمة بسبعة وخمسين مؤلَّفاً من مؤلفات الشيخ، أذكر أنّه قد ورد يومئذٍ على البال موقف جان بول سارتر الفيلسوف الفرنسي المعاصر، إذ أحجم عن تلخيص مذهبه الوجودي لمجلّة لايف