رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٣١٣
وربّما كان يتّقي منهم، فكيف الخروج إلى الشوارع والأسواق، وإلاّ فالذي يكون محبوباً ومطلوباً في عقر الدار، لايصير مبغوضاً بمنظر عامّة الناس، بل هو نوع من التنشيط وجلب للقلوب إلى هذا التذكار العظيم، وبثّ لذكرى أهل البيت الطاهرين بين القريب والبعيد.
وقد صحّ ما في الكافي عن يونس بن يعقوب عن الصادق عليه السلام أنّه قال: «قال أبي: يا جعفر أوقف لي من ما لي كذا وكذا لنوادب يندبنني عشر سنين بمنى أيّام منى»[١].
وفي غيره أنّه: «أوصى بثمانمائة دينار لنوادب تندبه بمنى عشر سنين أيّام منى»[٢].
وقد ذكر الشيخ الشهيد الأوّل طاب ثراه في كتاب الذكرى بعد رواية هذا الخبر: «والمراد بذلك تنبيه الناس على فضائله وإظهارها؛ ليقتدى بها، ويعلم الناس ما كان عليه أهل البيت، فتقتفي آثارهم». انتهى[٣].
إذاً فكيف يأمر الإمام عليه السلام بقصر عزاء الحسين عليه السلام على داخل الدار، مع أنّه أعظم مصيبة من سائر الأيام، كما سيجيء ما يشهد به؟! وإنّما النكتة فيه ما دلّ عليه صدر الخبر من مراعاة الاتّقاء.
فالحقّ أنّ هذه الأخبار الأربعة وافية بالدلالة على مطلوبيّة الجزع بإطلاقه، بل يظهر من بعض الأخبار أنّ كون عاشوراء يوم الجزع والبكاء كان مرتكزاً في قلوب الصحابة، مسلّماً بينهم من غير شكّ وارتياب، كما رواه العلاّمة المجلسي
[١] الكافي ٥: ١١٧، حديث١، باب كسب النائحة.
[٢] لم أعثر، على حديث فيه «ثمانمائة دينار»، انظر «دراسات في التاريخ ١: ٢٥٣.
[٣] ذكرى الشيعة ٢: ٥٨، البحث الرابع في النياحة.