رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٢٠٤
الشهرستاني في سنة ١٣٢٩ هـ[١] فكان ممّا كتبه في حال العوام في هذه الأمور أن
[١] وهي تحريمه نقل الجنائز من دول ومدن بعيدة إلى النجف الأشرف، فثارت ضجّة كبيرة حول فتواه تلك، يحدّثنا الأُستاذ جعفر الخليلي ت ١٤٠٥ هـ عن ذلك، قائلاً في كتابه «هكذا عرفتهم» ٢: ٢٠٣ ـ ٢٠٥:
«قرأت للشهرستاني كتاب تحريم نقل الجنائز، وهناك استطعت أن أفهم حركة السيّد الشهرستاني أكثر خصوصا في كتابه (تحريم نقل الجنائز)، وفهمت جيّدا سبب الهياج العظيم الذي جوبه به الشهرستاني حتّى أصبحت حياته في خطر، واعتبرت دعوته هذه التي حملها كتابه دعوة مخالفة للشرع، وقد تجرأ البعض فنسب له الكفر والزندقة وطلب منه أن يستغفر ربّه ويتوب، في حين كان قد بلغ مرحلة الاجتهاد وأوغل فيها.
ودعوة تحريم نقل الجنائز من الأماكن النائية إلى النجف الأشرف، تلخّص في أنّ السيّد هبة الدين كان لا يُبيح نقل هذه الجنائز إذا ما أخلّ هذا النقل بحرمة الميّت، بحيث يسبب نتونة الجثة وتفسّخها أو الاستهانة بها، وحصر النقل في دعوته على الأماكن القريبة.
وقد أورد في كتابه هذا ـ الذي قرأته بعد حدوث الضجّة والهياج بمدّة طويلة ـ عددا من القصص التي تقشعر لذكرها الأبدان، ومن بين تلك الشواهد من القصص التي أوردها في كتابه وظلّت عالقة بذهني هي:
أنّ قافلة كانت تحمل نحو مائتي جنازة من الجنائز التي كانت مدفونة في قبور مختلفة من البقاع الإيرانية على سبيل (الأمانة)، حتّى إذا مرَّ الزمن الذي يكفي لامتصاص الأرض مواد الجثّة وتعرّق العظم، اُخرجت هذه الهياكل العظمية، وصرّت عظام كلّ جثة في صرّة، وحملت في صناديق للأتّجاه بها إلى العراق ودفنها في العتبات المقدّسة.
وكان أن وصلت هذه القافلة إلى المحمّرة (خرمشهر اليوم) واُنزلت في ساحة الكمرك، فشبّت في تلك الليلة النار في أحد الأماكن القريبة، ثمّ ما لبثت أن اتصلت بدائرة الكمرك ثمّ بالجنائز فأحرقتها ولم تتركها إلاّ رمادا.
وسأل السيّد هبة الدين :ترى مَن هو المسؤول عن هذه الحادثة وأمثالها من الحوادث؟ غير سكوت أهل الفتيا الذين يُطمع سكوتُهم المتاجرين بالجنائز، فيسلبون حرمة الميّت، فضلاً عمّا يسبّب هذا النقل من انتشار الجراثيم وعدوى الأمراض.
وقد حمل في كتابه هذا بشدّة، وعزّز رأيه بعدد كبير من فتاوى كبار العلماء، بتحريم نقل الجنائز إلاّ في الحدود المقبولة عقلاً، وأثبت كلّ تلك الفتاوى بالزنكوغراف زيادة في التأكيد.
وذكّرتني (الأمانة) أمانة دفن الميّت برجل لم يزل حيّاً، وكان قد جاء من إيران بقصد زيارة العتبات، وكان قد امتطى حمارا جموحا أتعبه ركوبه، حتّى شكا إلى القافلة أمره.
فعرض عليه أحد أفراد القافلة أن يبادله حماره ليتولّى تَرويض حماره الجموح في ساعة أو ساعتين يعيده بعدها إليه هادئا متّزنا.
فنزل الرجل عن حماره وامتطى حمار صاحبه الذي تولّى أمر ترويض الحمار، والذي راح يوسع الحمار ضربا من أوّل وهلة، واندفع حيث يريد الحمار مشرقا ومغربا، وهو لا يكفّ عن ضربه بكلّ ما أوتي من قوّة.
أمّا صاحبنا فما كاد يمتطي حمار المروّض حتّى ألفى تحته خرجا، وفي جانب منه صرّة، دفعه فضوله أو شهّيته للأكل أن يفتح في الصرة فتحة ليستخرج منها ما يحتوي عليه هذا الكيس من المأكول، فإذا به كسر من الخبز المحمّس المعجون بالتوابل من الأملاح والحوامض والمجفّف على النار، وبدأ يخرج من هذه الصرّة بعض الكسر ويأكلها بشهيّة.
وإذ تمّ ترويض الحمار الجموح عاد به المروّض، وقد أصبح أطوع من البنان، فشكر له صاحبه يده وقال له : أرجو أن تغفر لي جرأتي أو وقاحتي التي دفعت بي إلى أن أمدّ يدي إلى هذه الصرّة من خرجك وأتناول شيئا من الخبز (المحمّس) قبل استئذانك..
قال الرجل : وأي خبز هذا الذي تعنيه؟
وما كاد يشير إلى الصّرة، حتّى صرخ الرجل ولطم على رأسه وصاح : تعالوا إليّ فلقد أكل هذا أبي، لقد أكل عظام أبي النخرة وهو يحسبها خبزا محمّسا، وظلّ يولول.
أقول : وعلى إثر الضجّة التي أحدثتها صرخة السيّد هبة الدين، والتي تعرّض فيها للخطر، اضطرّ السيّد الشهرستاني أن يهاجر من النجف إلى كربلاء ويستوطنها، على ما نقل الرواة.