رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ١٢٤
ويقول السجّاد عليه السلام : «رحم اللّه عمّي العبّاس فقد آثر وأبلى».
إنّ العبّاس عليه السلام فادى بنفسه، وكذلك سائر آل الحسين عليه السلام وإخوته وجميع أصحابه كلّ فداه بمهجته، وما خصّ العبّاس عليه السلام من بينهم بكونه «آثر وواسى» إلاّ لأنّ من عدا العبّاس لمّا لم يكن قد ملك الماء يوم الطفّ يكون تحمّله للعطش لنفسه، لا لمواساة الحسين عليه السلام بعطشه، ولكنّ العبّاس عليه السلام لنفوذ بصيرته وصلابة إيمانه قاسى شديد العطش وكابده لأجل المواساة لا لغيرها، فخصّ بتلك الكلمات دون غيره[١].
إن كانت على العبّاس تبعة فهي أنّه أراد شرب الماء وهمّ به، لا أنّه ترك شربه ونفضه من يده ؛ لأنّ الواجب عليه وقد ملك الماء إيصاله إلى إمامه وإمام المسلمين أخيه الحسين عليه السلام ليحفظ حشاشته الشريفة، فإنّ حفظها أهمّ من حفظ كلّ نفس معصومة.
ولولا أنّ العبّاس علم أنّه لا يسوغ له التواني بمقدار زمان شربة غرفة من الماء بيده، لشرب الغرفة وزاد عليها، ولكنّه من صلابة إيمانه ونفوذ بصيرته في دينه كابد الظمأ المجهد ولم يتأخّر لحظة واحدة عن إيصال الماء إلى الحسين عليه السلام مقدّمة للواجب الأهم.
[١] نقل الورع الثقة واحد عصره في الاطلاع على التاريخ والسيرة والحديث، فخر
الذاكرين، الشيخ الميرزا هادي الخراساني النجفي عن كتاب «عدّة الشهور» أنّ أمير المؤمنين عند وفاته دعا العبّاس فضمّه إليه وقبّل عينيه وأوصاه، وأخذ عليه العهد أنّه إذا ملك الماء يوم الطفّ أن لا يذوق منه قطرة وأخوه الحسين عطشان.
وعلى هذا يكون قول أرباب المقاتل في العبّاس: لما اغترف من الماء غرفة ذكر عطش الحسين عليه السلام أنّه ذكر عطشه، وانّه موصى عند ذكر عطشه أن يواسيه في العطش ولا يشرب دونه.