رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ١١٥
الدواعي الإلهية، بغية الثواب الإلهي وترفّعاً عن مقام الشهوانيين.
تعتقد الشيعة أنّ محبة الأنبياء والأئمّة لواحد من البشر قريباً أو غريباً ليس ولا يكون قطّ ناشئاً عن الدواعي النفسانيّة والشهوات البشريّة ؛ لأنّ المدلول عليه بالأخبار الكثيرة المدعومة بالبراهين العقليّة أنّهم مجرّدون عن جميع الرغائب الطبيعية، إنّما حبّهم للّه خالصاً وإرادتهم له لا لسواه.
وإذا أحبّوا غيره فذلك لحبّ اللّه له، ويرجع الأمر بالآخرة إلى محبّة اللّه وحده، ولذلك أحبّ يعقوب يوسف دون إخوته، وكان إفراطه في حبّه غير مناف لخلوصه لربّه.
وإذا كان حبّ السجّاد عليه السلام لأبيه لا لداع طبعي قهري - كما تعتقده الإماميّة - فلا يعقل أن يكون بكاؤه قهرياً طبعياً، بل يكون لا محالة تابعاً لنفس داعي حبّه له، وهو حبّ اللّه الخالص وحده[١].
سبحان اللّه، إنّ الرجل من سائر الناس ليبكي أو يتباكي ساعة واحدة على الحسين عليه السلام فينال ما أعدّله من ثواب البكاء أو التباكي، والإمام السجّاد عليه السلام يبكي على أبيه البكاء المقرح مدّة حياته ولا يكون له على اللّه ثواب ؛ لأنّ الأمر القهري - بأيّ المعنيين أراده الكاتب - لا يستحقّ فاعله من الثواب شيئاً بحكم العقل ولا كرامة، سبحان اللّه!!
[١] قال العلاّمة المجلسي في «جلاء العيون» ما ترجمته: إنّ بكاء المقرّبين بعضهم بعضاً
ليس لأجل المحبّة البشريّة، بل لأغراض أخر، والسجّاد عليه السلام لما كان عالماً من أبيه ما يخفى على غيره، ويعلم أنّه أحبّ الخلق إلى اللّه، وأنّ قتله سبب لضلالة الناس وضياع الدين منهم بقتل الإمام بكي لذلك، وسواء تمّ هذا في نفسه أم لا ؛ فإنّه صريح بتنزيه الإمام عن كون بكائه لطبيعة الوالدية والولدية.