رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ١٠٦
الحجر لم يكن مفرطاً.
سلّمنا، لكن في تحمّل ذلك الجوع مشقّة شديدة وإيذاء للنفس، والمشقّة وإن لم توجب حرمة الفعل لكنّها ترفع حكمه على مذهبه.
وعليه لا يكون تحمّله للجوع مستحباً ولا مطلوباً ولا مثاباً عليه، بل هو والشبع سواء في الإباحة، فما هو الداعي لفعل النبيّ صلي الله عليه و اله و سلم إياه وإيثاره على الشبع؟
وحمل جوعه على مالا مشقّة فيه أيضاً - كما لا ضرر فيه - يوجب حصر شدّ الحجر بالرياء المحض.
وأغرب من هذا دعوى أنّ جوعه المفرط الموجب للضرر كان عن اضطرار، وذلك أنّ النبيّ صلي الله عليه و اله و سلم إذا انقطعت به المذاهب عن تدبير ما يسدّ به رمقه ولو بقرض ونحوه، فلقد كان بإمكانه أن يبرز إلى ظواهر المدينة وضواحيها فيأكل من حشائشها ما يحفظ به حشاشة نفسه الشريفة تأسّياً بأخيه موسى بن عمران عليه السلام ، فلقد كانت خضرة الحشيش ترى من صفاق بطنه لهزاله[١].
ولعمري إنّ امتنانه على المسلمين بربط الحجر وتصديقهم إياه ينبئ عن علمهم بأنّه كان باختياره يكابد الجوع المفرط غالب أيّامه، وأنّه أمر محبوب له، وأنّه لو شاء لم يكن.
مع أنّ جوعه لولم يكن مفرطاً، أو كان ولكن عن اضطرار، لم يكن لامتنانه على الأُمّة وجه.
نعم، يظهر من بعض كتب السير[٢] أنّ المسلمين أصابهم جهد وقّلة زاد أيّام
[١] نهج البلاغة [٢: ٥٧ - ٥٨] وإرشاد القلوب للديلمي [١: ٣٠٣].
[٢] السيرة الحلبية [٢: ٦٥٥].