سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢١ - تنبيهات
رجل: يا رسول اللّه اعدل، فقال: «ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت و خسرت إن لم أعدل» فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه: يا رسول اللّه دعني أقتل هذا المنافق، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «معاذ اللّه أن يتحدث الناس أنني أقتل أصحابي، إن هذا و أصحابه يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلوقهم أو قال: حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرّميّة [١]».
و روى الإمام أحمد و عبد بن حميد، و البخاري و النّسائي و أبو الشيخ، و البيهقي عن زيد ابن أرقم رضي اللّه تعالى عنه: سحر النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياما، فأتاه جبريل (عليه السلام)، فقال إن رجلا من اليهود سحرك، فعل لذلك عقدا، فأرسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليا رضي اللّه تعالى عنه فاستخرجها، فجاء بها فجعل كل ما حل عقدة وجد لذلك خفّة، فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، و لا رآه في وجهه [٢].
و روى البيهقي في شعب الإيمان، مرسلا عن عبد اللّه بن عبيد مرسلا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما كسرت رباعيّته، و شجّ وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه، و قالوا: لو دعوت عليهم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إني لم أبعث لعّانا، و لكن بعثت داعيا و رحمة، اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون [٣]»، و رواه موصولا عن سهل بن سعد رضي اللّه تعالى عنه مختصرا: «اللهم: اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون»،
و للّه در القائل حيث قال.
و ما الفضل إلا أنت خاتم فضة* * * و عفوك نقش الفصّ فاختم به عذري
و من رحمته و رأفته (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأمته تخفيفه و تسهيله عليهم، و كراهيته أشياء مخافة أن تفرض عليهم
، كقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لو لا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسّواك عند كل وضوء، و مع كل صلاة، و لأخّرت العشاء إلى ثلث الليل»،
و خبر قيام رمضان، و نهيه عن الوصال، و كراهته دخول الكعبة لئلا يعنت أمته، و رغبته لربه أن يجعل سبّته و لعنته رحمة لمن سبه و زكاة و طهورا.
تنبيهات
الأول: الحلم حالة توقير، و ثبات في الأمور، و تصبّر على الأذى، لا يستثير صاحبه الغضب عند الأسباب المحركة، و لا يحمله على انتقام، و هو شعار العقلاء، و قد كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) منه بالمحل الأعظم، كما يشهد له قول أبي سفيان و قد قال له: يا عمّ أما آن لك أن تسلم؟ «بأبي
[١] أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد (٦١٦٣) (٣٩٣٣) (٣٦١٠) و مسلم ٢/ ٧٤٤ (١٤٨/ ١٠٦٤) و أحمد ٣/ ٥٦، ٣٥٣، ٣٥٥ و البيهقي في الدلائل ٥/ ١٨٥، ١٨٧ و ابن ماجة (١٧٢) و انظر الدر المنثور ٣/ ٣٥٠.
[٢] تقدم.
[٣] و هو عند مسلم ٤/ ٢٠٠٧ و البخاري في الأدب (٣٢١) و الطبراني في الكبير ١٩/ ١٨٩ و انظر الدر المنثور ٤/ ٣٤٢.