سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٧ - تنبيهات
الثالث:
قال في زاد المعاد أيضا كان شيخنا أبو العباس في تيهته (رحمه اللّه تعالى) يذكر في سبب الذؤابة شيئا بديعا، و هو أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه بالمدينة، لما رأى رب العزة تبارك و تعالى فقال: «يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، فوضع يده بين كتفيّ فعلمت ما بين السماء و الأرض» الحديث.
رواه الترمذي،
و قال إنه سأل البخاري عنه فصححه، قال أبو العباس (رحمه اللّه تعالى):
فمن تلك الغداة أرخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذؤابة بين كتفيه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هذا من العلم الذي تنكره ألسنة الجهّال و قلوبهم، قال ابن القيّم (رحمه اللّه تعالى): و لم أر هذه الفائدة في شأن الذؤابة لغيره، و قال الحافظ أبو الفضل العراقيّ (رحمه اللّه تعالى): لم نجد لما ذكره أصلا.
و قال الحافظ أبو ذرعة بن الحافظ أبي الفضل العراقيّ رحمهما اللّه تعالى في تذكرته بعد أن ساق ما تقدم عن ابن تيميّة، إن ثبت ذلك فهو وصفه، و ليس يلزم منه التجسيم، لأن الكف يقال فيه ما قاله أهل الحق في اليد، فهم ما بين متأوّل و ساكت عن التأويل، مع نفي الظاهر، كيفما كان فهو نعمة عظيمة، و منّة جسيمة، حلّت بين كتفيه فقابلها بإكرام ذلك المحلّ الذي حطت فيه تلك النعمة، و المراد بالذؤابة ههنا القامّة لموافقة الحديث الذي قبله و أكثر اشتهارها على شعر الرأس، و قد تطلق على المتدلي من غيره.
الرابع: قال شيخ الإسلام كمال الدين بن أبي شريف (رحمه اللّه تعالى) في كتابه صوبة الغمامة، في إرساله طرف العمامة: إسبال طرف العمامة مستحبّ مرجح فعله على تركه، كما يؤخذ من الأحاديث السابقة خلافا لما أوهمه كلام النّووي (رحمه اللّه تعالى) من إباحته بمعنى استواء الطرفين.
قال الإمام النّووي في شرح المهذّب: يجوز لبس العمامة بإرسال طرفها، بغير إرساله، و لا كراهة في واحد منهما، و ذكر معناه في الروضة باختصار.
قال في شرح المهذّب: و لم يصح في النهي عن ترك الإرسال شيء، و ذكر أنه صحّ في الإرخاء حديث عمرو بن حريث رضي اللّه تعالى عنه أي السابق- هذا كلام الإمام النّووي (رحمه اللّه تعالى). قال ابن أبي شريف (رحمه اللّه تعالى): و لم أر من تعقّبه، و يمكن أن يقال قد أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه بإرخاء طرف العمامة، و علّله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأنه أعرب و أحسن، فهو مستحب و أولى، و تركه خلاف الأولى و المستحب. و الظاهر أن الإمام النووي أراد بالمكروه ما ورد فيه نهي مقصود، و ليس الترك مكروها بهذا المعنى، و لا يمتنع كون الإرسال أولى أو مستحبا، و أما إن أراد بالمكروه ما يتناول خلاف الأولى، كما هو اصطلاح متقدمي الأصوليين، فلا نسلم كون الترك غير مكروه بهذا المعنى بل هو مكروه.