سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤ - تنبيهات
تنبيهات
الأول: العقل مصدر في الأصل مأخوذ من عقل البعير، و هو منعه بالعقال من القيام، أو مأخوذ من الحجر و هو المنع: قال تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لأنه يعقل صاحبه، و يحجره عن الخطأ، و هو مع البلوغ مناط التكليف.
الثاني: اختلف في محله، فالجمهور من المتكلمين و الشافعية أنه في القلب.
روى البخاري (رحمه اللّه تعالى) في الأدب و البيهقيّ في الشّعب، بسند جيد، عن عليّ رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: العقل في القلب، و الرحمة في الكبد، و الرأفة في الطحال، و النّفس في الرّئة
[١]. و أكثر الأطباء و الحنفية أنه في الدماغ، و استدل الأولون بقوله تعالى: فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها [الحج ٤٦] و قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق ٣٧]، و
بقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ألا إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، و إذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا و هي القلب»
[٢] فجعل (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلاح الجسد و فساده تابعا للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد، و يجاب عن استدلال الأطباء أنه في الدماغ بأنه إذا فسد فسد العقل، بأن اللّه سبحانه و تعالى أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ، مع أن العقل ليس فيه، و لا امتناع في هذا.
الثالث: اختلف في ماهيته فقيل: هو التثبت في الأمور لأنه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك، و قيل: هو التمييز الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان.
و قال المحاسبي [٣] (رحمه اللّه تعالى): هو نور يفيد الإدراك، و ذلك النور يقل، و يكثر، فإذا قوي منع ملاحقة الهوى.
و قال إمام الحرمين (رحمه اللّه تعالى): العقل علوم ضرورية، يعطيها حواس السمع و البصر، و النطق، أو لا يكون كسبها من الحواس.
و قال صاحب القاموس العقل: العلم بصفات الأشياء من حسنها، و قبحها، و كمالها، و نقصانها، أو العلم بخير الخيرين و شرّ الشرين، أو يطلق لأمور لقوة بها يكون التمييز بين القبح و الحسن، و لمعان مجتمعه في الذّهن، يكون بمقدمات تستتبّ بها الأغراض و المصالح، و لهيئة محمودة في الإنسان، في حركاته و سكناته، و الحق أنه نور روحاني، به تدرك النفس العلوم الضرورية و النظرية، و ابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ.
[١] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٤٧).
[٢] أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٧٠.
[٣] الحارث بن أسد أبو عبد اللّه المحاسبي. أحد مشايخ الصوفية، و شيخ الجنيد إمام الطريقة، و يقال إنما سمي المحاسبي لكثرة محاسبته نفسه. مات ببغداد سنة ثلاث و أربعين و مائتين. انظر طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ٥٩، ٦٠.