سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٣ - تنبيهات
عنكم، و من يستعفف يعفه اللّه، و من يستغن يغنه اللّه، و من يتصبر يصبره اللّه، و ما أعطي أحد عطاء هو خير، و أوسع من الصبر».
و روى ابن عدي عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لو أن لي مثل جبال تهامة ذهبا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني كذوبا و لا بخيلا» [١].
و روى البخاري عن جبير بن مطعم رضي اللّه تعالى عنه أنه بينما هو مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و معه الناس، مقبلا من حنين علقت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأعراب يسألونه، حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاة نعم لقسمته عليكم لا بخيلا، و لا كذابا، و لا جبانا» [٢].
و روى أبو جعفر بن جرير الطبري عن سهل بن سعد السّاعدي رضي اللّه تعالى عنه قال: حكيت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حلّة أنمار صوف أسود، فجعل حاشيتها بيضاء، و قام فيها إلى أصحابه، فضرب بيده إلى فخذه فقال: «ألا ترون إلى هذه ما أحسنها!» فقال أعرابي: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي هبها لي و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا يسأل شيئا أبدا فيقول: لا، فقال:
«نعم»، فأعطاه الجبة.
و روى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه قال: قسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قسما لأناس، فقلت: يا رسول اللّه لغير هؤلاء كانوا أحقّ بهذا القسم، فقال: «إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، و لست بباخل» [٣].
و روى ابن الأعرابي عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عام حنين سأله الناس، فأعطاهم من البقر و الغنم و الإبل، حتى لم يبق من ذلك شيء، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما ذا تريدون؟ أ تريدون أن تبخّلوني؟ فو اللّه ما أنا ببخيل، و لا جبان، و لا كذوب»، فجذبوا ثوبه حتى بدت رقبته، فكأنما أنظر- حين مدّ يدا من منكبه- شقة القمر من بياضه [٤].
تنبيهات
الأول: قال الحافظ: قوله: ما قال: لا، ليس المراد أنه يعطي ما طلب منه جزما، بل المراد أنه لا ينطق بالرد بلا، إن كان عنده أعطاه، إن كان إلا إعطاء سابغا، و إلا سكت، قال:
[١] أخرجه ابن عدي ٣/ ٩٦٤.
[٢] أخرجه البخاري ٦/ ٣٥ (٢٨٢١) (٣١٤٨).
[٣] أخرجه مسلم في كتاب الزكاة (١٢٧) و أحمد ١/ ٣٥ و ابن عساكر كما في التهذيب ٦/ ٢١٢ و انظر الكنز (١٦٧١٢).
[٤] ابن عساكر كما في التهذيب ٣/ ٤٢٨٩/ ١٣٣.