سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١٥ - الباب الثاني و العشرون في مزاحه، و مداعبته (صلّى اللّه عليه و سلّم)
قال: نزلت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرّ الظّهران فخرجت من خبائي فإذا نسوة يتحدثن، فأعجبنني، فرجعت، و أخرجت حلّة لي، فلبستها، ثم جلست إليهن، و خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من قبّته، فقال: «أبا عبد اللّه ما يجلسك إليهن؟» قال فهبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و اختلطت، و قلت: يا رسول اللّه جمل لي شرود فأنا أبتغي له قيدا، قال: «فمضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تبعته، فألقى إلي رداءه، و دخل في الأراك، فكأني أنظر إلى بياض قدميه في خضرة الأراك، فقضى حاجته، ثم توضأ، ثم جاء، فقال: «أبا عبد اللّه ما فعل شراد جملك؟» ثم ارتحلنا، فجعل لا يلحقني في مسير إلا قال: «السلام عليك أبا عبد اللّه ما فعل شراد جملك؟» قال: فتعجلت إلى المدينة، و اجتنبت المسجد، و مجالسة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما طال علي ذلك تحينت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فجعلت أصلي، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من بعض حجره فجاء فصلى ركعتين خفيفتين، ثم جلس، و طولت الصلاة، رجاء أن يذهب، و يدعني، فقال: «طول أبا عبد اللّه ما شئت فلست بقائم حتى تنصرف»، فقلت: و اللّه لأعتذرن إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فانصرفت، فقال: «السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شراد جملك؟» فقلت: و الذي بعثك بالحق نبيا ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت، فقال: «رحمك اللّه مرتين أو ثلاثا»، ثم أمسك عني، فلم يعد لشيء مما كان [١].
و روى ابن أبي خيثمة عن عون بن مالك رضي اللّه تعالى عنه قال: أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «عون؟» قلت: نعم يا رسول اللّه قال: «ادخل»، قلت: كلي؟ قال:
«كلك».
و روى أبو الحسن بن الضحاك عن عبد الله بن بسر المازني رضي اللّه تعالى عنهما قال: بعثتني أمي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقطف من عنب فأكلته، فسألت أمي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لا»، فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا رآني قال: «غدر غدر».
و روى الإمام أحمد عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بعض أسفاره، و أنا جارية لم أحمل اللحم، و لم أبدن، فقال للناس: «تقدموا»، فتقدموا، ثم قال:
«تعالي حتى أسابقك»، فسابقته، فسبقته، فسكت عني، حتى حملت اللحم، و بدنت، و نسيت، ثم خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: «تقدموا»، ثم قال: «تعالي أسابقك»، فسبقني، فجعل يضحك، و يقول: «هذه بتلك» [٢].
[١] انظر المجمع ٩/ ٤٠٧.
[٢] أخرجه أحمد ٦/ ٣٩، ٢٦٤ و البيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ١٨.