سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٤ - تنبيهات
عنها، و أهل الظاهر يحملونها على الخطرات العارضة للقلب، و الطلبات الواردة الشاغلة له بهذه الغشية الملابسة.
و قال القاضي: هو ما يستغشي القلب، و لا يغطيه كل التغطية، كالغيم الرقيق الذي لا يمنع ضوء الشمس، ثم لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة، و إنما هذا عدد الاستغفار لا الغين، فيكون المراد بهذا الغين الإشارة إلى غفلات قلبه، و فترات نفسه، و سهوها عن مداومة الذكر، و مشاهدة الحق، لما كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) من مقامات البشر، و سياسة الأمة، و معاناة الأهل، و مقاومة الولي و العدو، و مصلحة النفس، و أعباء الرسالة، و حمل الأمانة، و هو في هذا كله في طاعة ربه، و عبادة خالقه، و لكن لما كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرفع الخلق عند اللّه تعالى مكانة، و أعلاهم درجة، و أتمهم به معرفة، و كانت حالة عند خلوص قلبه، و خلو همه، و تفرده بربه أرفع حاليه، رأى حاله فترته عنها، و شغله بسواها، غمضا من علّي حاله، و رفيع مقامه، فاستغفر من ذلك.
و قال الشيخ شهاب الدين السّهروردي: لا تعتقد أن الغين حالة نقص، بل هو حالة كمال، ثم مثّل بجفن العين حين يسيل الدمع القذي عن العين مثلا، فإنه يمنع العين عن الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، و في الحقيقة هو كمال، هذا محصل كلامه بعبارة طويلة، قال:
فهكذا بصيرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) متعرضة للأغبرة الثائرة من أنفاس الأخيار، فدعت الحاجة إلى ستر حدقة بصيرته، صيانة لها، و وقاية عن ذلك، و قيل: هو حالة الخشية، و إعظام الاستغفار شكرها، و من ثم قال المحاسبي: خوف المقربين خوف إجلال و إعظام، و قيل: هو السكينة التي تغشي قلبه، و الاستغفار لإظهار العبودية و الشكر لما أولاه.
و ذكر ابن عطاء اللّه في كتاب لطائف المنن: أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي [١] قدس اللّه سره قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسألته عن حديث: إنه ليغان على قلبي، فقال: «يا مبارك ذلك غين الأنوار».
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
الاستغفار: استدعاء المغفرة، و طلبها من الشفاعة، و إعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة.
المقدّم: بميم مضمومة، فقاف مفتوحة، فدال مهملة مكسورة، فميم: الذي يقدم الأشياء، و يضعها في مواضعها: ضد المؤخر، فمن استحق التقديم قدمه.
المؤخر: بميم مضمومة، فهمزة مفتوحة، فخاء معجمة مكسورة، فراء: الذي يؤخر
[١] علي بن عبد اللّه بن عبد الجبار بن يوسف بن هرمز الشاذلي المغربي، أبو الحسن: رأس الطائفة الشاذلية، من المتصوفة، و صاحب الأوراد المسماة «حزب الشاذلي». انظر الأعلام ٤/ ٣٠٥.