سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٠ - الباب العاشر في كرمه وجوده (صلّى اللّه عليه و سلّم)
عامله بكمال الإحسان، و أبعده من حر النيران، إلى برد لطيف الجنان.
و روى الدّارمي عن سهل بن سعد رضي اللّه تعالى عنه قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حييّا لا يسأل شيئا إلا أعطى [١] و لقد أحسن ابن جابر حيث قال:.
يروى حديث النّدى و البشر عن يده* * * و وجهه بين منهلّ و منسجم
من وجه أحمد لي ندى و من يده* * * بحر و من فمه درّ لمنتظم
يمّم نبيا يباري الرّيح نافلة* * * و المزن من كل هامي الورد خير همي
لو عامت الفلك فيما فاض من يده* * * لم تلق أعظم بحرا منه أن تعم
يحيط كفّاه بالبحر المحيط فلذ* * * به ودع كلّ طامي الموج ملتطم
لو لم تحط كفّه بالبحر* * * ما اشتملت كلّ الأنام و روّت قلب كلّ ظمي
و روى التّرمذي عن الربيع بن عفراء قال: أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقناع من رطب، و جرو زغب، فأعطاني ملء كفي حليّا، أو ذهبا، و يرحم اللّه ابن جابر حيث قال:.
لقد كان فعل الخير قرة عينه* * * فليس له فيما سواه مجال
فلو سألوا من كفّه ردّ سائل* * * أجابهم هذا السؤال محال
و لو عرف المحتاج قبل سؤاله* * * كفاه، و أغنى أن يكون شؤال
يبادر للحسنى و يبذل زاده* * * و لو بات مسّ الجوع منه ينال
و روى البخاري، و ابن ماجة، و ابن سعد، و الطبراني، و الإسماعيلي و النّسائي عن سهل ابن سعد رضي اللّه تعالى عنه أن امرأة جاءت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ببردة منسوجة فيها حاشيتها، قال سهل: أ تدرون ما البردة؟ قالوا، الشّملة، قال: نعم، قالت نسجتها بيدي لأكسوكها فخذها، فأخذها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) محتاجا إليها فخرج إلينا و إنها لإزاره فقال الأعرابي: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي هبها لي و في لفظ، فقال: «نعم»، فجلس ما شاء اللّه في المجلس، ثم رجع فطواها فأرسل بها إليه، ثم سأله، و علم أنه لا يرد سائلا، و في لفظ: لا يسأل شيئا فيمنعه قال: و اللّه إني ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، رجوت بركتها حين لبسها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال سهل: فكانت كفنه، زاد الطبراني: و أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يصنع له غيرها، فمات قبل أن تنزع [٢].
و روى الطبراني عن أم سنبلة قالت: أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بهدية، فأبى أزواجه أن يقبلنها، فأمرهن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأخذنها، ثم أقطعها واديا.
[١] انظر أخلاق النبوة (٤٠).
[٢] أحمد في المسند ٥/ ٣٣٣.