سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧ - الباب الثالث في حلمه و عفوه مع القدرة له (صلّى اللّه عليه و سلّم)
الباب الثالث في حلمه و عفوه مع القدرة له (صلّى اللّه عليه و سلّم)
قال اللّه سبحانه و تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف ١٩٩] و قال عز و جل: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران ١٥٩].
روى أبو نعيم عن قتادة (رحمه اللّه تعالى) قال: طهر اللّه تعالى رسوله من الفظاظة و الغلظة، و جعله قريبا، رؤوفا بالمؤمنين رحيما [١].
و روى ابن مردويه عن جابر و ابن أبي الدنيا، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم عن الشّعبي قال: لما أنزل اللّه عز و جل: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ الآية، قال: ما تأويل هذه الآية يا جبريل؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم، فصعد، ثم نزل، فقال: يا محمد إن اللّه تبارك و تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك، و تعطي من حرمك، و تصل من قطعك.
و روى البخاري عن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما في الآية مسائل:
الأولى: قال: أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يأخذ بالعفو عن أخلاق الناس [٢].
و روى البخاري عن جابر رضي اللّه تعالى عنه أنه غزا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما قفل معه أدركتهم القائلة في واد كثير العضاة فنزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تفرق الناس يستظلون بالشجر،
و نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تحت سمرة فعلق سيفه، و نمنا نومة، فإذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يدعونا، و إذا عنده أعرابي، فقال: «إن هذا اخترط عليّ سيفي، و أنا نائم، فاستيقظت و هو في يده فقال: من يمنعك مني؟» فقلت: اللّه ثلاثا، و لم يعاقبه و جلس [٣].
[١] و معنى الآية: أنه (عليه السلام) لما رفق بمن تولى يوم أحد و لم يعنّفهم بيّن الرب تعالى أنه إنما فعل ذلك بتوفيق اللّه تعالى إيّاه. و قيل: «ما» استفهام. و المعنى: فبأيّ رحمة من اللّه لنت لهم، فهو تعجيب. و فيه بعد، لأنه لو كان كذلك لكان «فبم» بغير ألف. لِنْتَ من لان يلين لينا و ليانا بالفتح. و الفظ الغليظ الجافي. فظظت تفظّ فظاظة و فظاظا فأنت فظّ. و الأنثى فظّة و الجمع أفظاظ. و في صفة النبي (عليه السلام) ليس بفظّ و لا غليظ و لا صخّاب في الأسواق، و أنشد المفضّل في المذكّر:
و ليس بفظّ في الأدانيّ و الأولى* * * يؤمّون جدواه و لكنّه سهل
و فظّ على أعدائه يحذرونه* * * فسطوته حتف و نائله جزل
و قال آخر في المؤنث:
أموت من الضّرّ في منزلي* * * و غيري يموت من الكظّه
و دنيا تجود على الجاهلين* * * و هي على ذي النهى فظّه
و غلظ القلب عبارة عن تجهّم الوجه، و قلّة الانفعال في الرّغائب، و قلة الإشفاق و الرحمة، و من ذلك قول الشاعر:
يبكى علينا و لا نبكي على أحد؟* * * لنحن أغلظ أكبادا من الإبل
[٢] أخرجه البخاري في التفسير ٨/ ١٥٥ (٤٦٤٣، ٤٦٤٤).
[٣] تقدم.