سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٤ - تنبيهات
و قد روينا بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد و لفظه: إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، و إن لم يرد أن يفعل سكت،. و قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام لم يقل:
لا، منعا للإعطاء، و لا يلزم من ذلك أن يقولها اعتذارا كما في قوله تعالى: «لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [التوبة ٩٢] و لا يخفى الفرق بين قوله: (لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ و هو نظير ما في
حديث أبي موسى الأشعري لما سأله الأشعريون الحملان فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما عندي ما أحملكم»
لكن يشكل عليه أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حلف لا يحملهم
فقال: «و اللّه لا أحملكم»،
فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر ما إذا سئل ما ليس عنده، و السائل يتحقق أنه ليس عنده ذاك، حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل كأن لم يعرف العادة، فلو اقتصر على السكوت مع حاجة السائل تمادى في السؤال و يكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل، و السر في
قوله: «لا أجد ما أحملكم»
و قوله: «و اللّه لا أحملكم»
أن الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجودا عنده، و الثاني أنه يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالقرض مثلا، أو بالاستيهاب، إذ لا اضطرار حينئذ.
الثاني:
قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): فخصها فلانا
أفاد المحبّ الطبري في كتاب الأحكام له أن الرجل السائل عبد الرحمن بن عوف، و عزاه للطّبراني، قال الحافظ: و لم أجد ذلك في معجمه الكبير، لا في مسند سهل، و لا في عبد الرحمن، نعم رواه الطّبراني، و قال في آخره: قال قتيبة هو سعد بن أبي وقاص، و قد يقال: تعددت القصة، و فيه بعد.
الثالث:
قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): الأجود
أفعل تفضيل من جاد يجود، جودا فهو جواد، بتخفيف الواو، و قوم جود، و أجاود، و أجواد. قال النحاس: الجواد: الذي يتفضل على من يستحق، و يعطي من لا يسأل، و يعطي الكثير، و لا يخاف الفقر، من قولهم مطر جواد إذا كان كثيرا، و فرس جواد يعدو كثيرا، قبل أن يطلب منه، ثم قيل: هو مرادف للسخاء، و الأصح أن السخاء أدنى منه، و لذا يوصف اللّه تعالى به، و السخي اللين عند الحاجات، من أرض سخاويّة: لينة التراب، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري (رحمه اللّه تعالى): قال القوم من أعطى البعض فهو سخي، و من أعطى الأدنى، و أبقى لنفسه شيئا، فهو جواد، و من قاسى الضّر، و آثر غيره بالبلغة فهو مؤثر، و قال السّهروردي في عوارفه: السخاء صفة غريزية، و في مقابله الشّح. و الشح من لوازم صفة النفس قال تعالى: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التغابن ١٦] فحكم بالفلاح لمن وقي الشّحّ، و حكم بالفلاح أيضا لمن أنفق و بذل فقال: وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة ٥] و الفلاح اسم لسعادة الدارين، و ليس الشح من الآدمي بعجيب لأنه جبليّ فيه، و إنما العجب وجود السخاء في الغريزة، و السخاء أتم و أكمل من الجود. و في مقابله البخل، و في مقابلة السخاء الشح، و الجود