سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨١ - الباب السادس عشر في زهده في الدنيا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ورعه، و اختياره الفقر، و سؤاله ربه تبارك و تعالى أن يكون مسكينا
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا سافر آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة و أول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة، فقدم من غزاة له، فأتاها، فإذا هو بمسح على بابها، و رأى على الحسن و الحسين قلبين من فضة، فرجع، و لم يدخل لها، فلما رأت ذلك فاطمة ظنت أنه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر، و نزعت القلبين من الصبيين، فقطعتهما، فبكى الصبيّان، فقسمته بينهما، فانطلقا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هما يبكيان، فأخذه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: «يا ثوبان، اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة و اشتر لفاطمة قلادة من عصب و سوارا من عاج قال: هؤلاء أهل بيتي، و لا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا» [١].
و روى الإمام أحمد، و البيهقي في الشّعب، و ابن أبي حاتم و الدّيلمي عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: ظل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صائما، ثم طوى، ثم ظل صائما، قال: «يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد، و لا لآل محمد، يا عائشة إن اللّه تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها، و الصبر على محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ و اللَّه لأصبرن جهدي، و لا قوة إلا باللّه» [٢].
و روى الإمام أحمد، و الشيخان عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليصيب التّمرة فيقول: «لو لا أخشى أنها من الصدقة لأكلتها» [٣].
و روى الإمام أحمد برجال ثقات عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وجد تمرة تحت جنبه من الليل فأكلها، فلم ينم تلك الليلة، فقالت بعض نسائه: يا رسول اللّه أرقت البارحة، قال: «إني وجدت تمرة فأكلتها، و كان عندي تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه» [٤].
و روى الطبراني عن ابن حازم الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه قال: أتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم بدر بنطع فقيل استظل به يا رسول اللّه فقال: «أ تحبون أن أستظل بينكم بظل من نار يوم القيامة» [٥].
و روى الحميدي عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة قال: قيل يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إن
[١] أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٧٥.
[٢] أخرجه البغوي في التفسير ٦/ ١٧١ و ابن كثير ٧/ ٢٨٨ و السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٥.
[٣] أخرجه البخاري ٤/ ٢٩٣ (٢٠٥٥) و مسلم ٢/ ٧٥٢ (١٦٤/ ١٠٧١).
[٤] أحمد ٢/ ١٨٣، ١٩٣ و ابن سعد ١/ ٢/ ١٠٧ و الحاكم ٢/ ١٤ و انظر المجمع ٣/ ٨٩.
[٥] انظر المجمع ٥/ ٣٣٩ و الترغيب و الترهيب ٢/ ٣١٠.