سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣ - الباب الأول في وفور عقله (صلّى اللّه عليه و سلّم)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
جماع أبواب صفاته المعنوية (صلّى اللّه عليه و سلّم)
الباب الأول في وفور عقله (صلّى اللّه عليه و سلّم)
قال وهب بن منبّه (رحمه اللّه تعالى): قرأت في واحد و سبعين كتابا، فوجدت في جميعها: «أنّ اللّه تبارك و تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدّنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقل محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلّا حبّة رمل من بين جميع رمال الدنيا، و أن محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرجح الناس عقلا». رواه الحكيم التّرمذي و أبو نعيم، و ابن عساكر رحمهم اللّه تعالى.
و روى داود بن المحبّر [١] عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما رفعه: «أفضل الناس أعقل الناس»، قال ابن عباس: و ذلك نبيك (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و نقل عن العوارف عن بعض الأكابر قال: اللّبّ، و العقل مائة جزء: تسعة و تسعون في النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و جزء في سائر الناس.
قال القاضي (رحمه اللّه تعالى): و من تأمل تدبيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر بواطن الخلق، و ظواهرهم، و سياسة الخاصة و العامة، مع عجيب شمائله، و بديع سيره، فضلا عما أفاضه من العلم، و قرره من الشرع، دون تعلّم سبق، و لا ممارسة تقدمت، و لا مطالعة للكتب، لم يمتر في رجحان عقله، و ثقوب فهمه لأول و هلة. و مما يتفرع عن العقل ثقوب الرّأي وجودة الفطنة و الإصابة، و صدق الظن، و النظر للعواقب، و مصالح النفس، و مجاهدة الشهوة، و حسن السياسة، و التدبير، و اقتفاء الفضائل، و اجتناب الرذائل، و قد بلغ (صلّى اللّه عليه و سلّم) من ذلك الغاية التي لم يبلغها بشر سواه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و من تأمل حسن تدبيره للعرب الذين كالوحش الشارد، و الطبع المتنافر المتباعد، كيف ساسهم؟ و احتمل جفاهم، و صبر على أذاهم، إلى أن انقادوا إليه، و اجتمعوا عليه، و قاتلوا دونه أهليهم: آباءهم، و أبناءهم، و اختاروه على أنفسهم، و هجروا في رضاه أوطانهم، و أحبابهم، من غير ممارسة سبقت له، و لا مطالعة كتب يتعلّم منها سنن الماضين، فتحقّق أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أعقل الناس، و لما كان عقله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أوسع العقول لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعا لا يضيق عن شيء.
[١] داود بن المحبّر بن قحذم، أبو سليمان البصري صاحب العقل، وليته لم يصنّفه. روى عن شعبة، و همام، و جماعة، و عن مقاتل بن سليمان. و عنه أبو أمية، و الحارث بن أبي أسامة، و جماعة.
قال أحمد: لا يدري ما الحديث. و قال ابن المديني: ذهب حديثه، و قال أبو زرعة و غيره: ضعيف. و قال أبو حاتم:
ذاهب الحديث، غير ثقة. و قال الدار قطني: متروك. توفي سنة ست و مائتين. ميزان الاعتدال ٢/ ٢٠.