سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١٤ - الباب الثاني و العشرون في مزاحه، و مداعبته (صلّى اللّه عليه و سلّم)
علي قميص، فرفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فاحتضنه، و جعل يقبل كشحه، قال: أردت هذا يا رسول اللّه [١]،
فقال أبو محمد الحسن: أخبرنا ابن شهاب عن سفيان الثوري رضي اللّه تعالى عنه عن أبي الزبير به و روى الإمام أحمد و أبو يعلى- برجال الصحيح- و صححه الذهبي عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «فأتني أزيهر أزيهر» و هو يقوم يبيع متاعه في السوق، و كان رجلا دميما، فاحتضنه من خلفه، و لا يبصره الرجل، فقال: أرسلني، من هذا؟
فالتفت فعرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فجعل لا يألو ما ألصق ظهره لصدر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين عرفه، و جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول اللّه إذن و اللّه تجدني كاسدا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «و لكن عند اللّه لست بكاسد»، أو قال: «و لكن أنت عند اللّه تعالى غالب».
و روى ابن عساكر، و أبو يعلى، برجال الصحيح، غير محمد بن عمرو بن علقمة، قال الهيثمي: و حديثه حسن عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحريرة قد طبختها، فقلت لسودة، و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيني و بينها: كلي، فأبت أن تأكل، فقلت: لتأكلين أو لألطّخنّ وجهك، فأبت فوضعت يدي فيها، فلطختها، و طليت وجهها فوضع فخذه لها و قال لها: «لطخي وجهها» فلطخت وجهي، فضحك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمر عمر رضي اللّه تعالى عنه فقال: يا عبد اللّه، فظن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه سيدخل، فقال: «قوما، فاغسلا وجوهكما»، فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منه.
و روى أبو الحسن بن الضحاك عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال ذات يوم لعائشة رضي اللّه تعالى عنها: «ما أكثر بياض عينيك» [٢].
و روى الزبير بن بكار في كتاب الفاكه عن زيد بن أسلم مرسلا أن امرأة يقال لها أم أيمن جاءت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: إن زوجي يدعوك، قال: «من هو؟ أهو الذي بعينيه بياض؟» فقالت:
أيّ يا رسول اللّه؟ و اللّه ما بعينيه بياض، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «بل إن بعينيه بياضا»، فقالت: لا و للّه، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «و هل من أحد و إلا و بعينيه بياض؟»، و جاءته امرأة أخرى فقالت: يا رسول اللّه احملني على بعير، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «احملوها على ابن بعير»، فقالت: ما أصنع به و ما يحملني يا رسول اللّه؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «هل يجيء بعير إلا ابن بعير؟» و كان مزح معها.
و روى الطّبراني و ابن عساكر برجال ثقات عن خوّات بن جبير، رضي اللّه تعالى عنه
[١] أخرجه أبو داود في الأدب باب (١٦٠) عن عمرو بن عون، عن خالد، عن حصين، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيّد به.
[٢] ذكره الذهبي في الميزان (٣٩٠) و ابن حجر في اللّسان ٣/ ٨٧٠.