سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١ - الباب الثاني في حسن خلقه (صلّى اللّه عليه و سلّم)
و روى أبو الشيخ و أبو الحسن بن الضحاك عنه أيضا قال: جاء أعرابي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يستعينه في شيء فقال: يا محمد أعطني، فإنك لا تعطيني من مالك، و لا من مال أبيك. فأعطاه شيئا، ثم قال: «أحسنت إليك؟» قال لا و لا أجملت، فغضب المسلمون، و قاموا إليه، فأشار إليهم أن كفّوا، ثم قام فدخل منزله، ثم أرسل إلى الأعرابي فدعاه إلى البيت، فأعطاه شيئا، فقال: «أرضيت؟» فقال: لا، ثم أعطاه أيضا، فقال: «أرضيت؟» فقال: نعم، نرضى، فقال: «إنك جئتنا، فسألتنا، فأعطيناك، فقلت ما قلت، و في أنفس المسلمين شيء من ذلك، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب عن صدورهم ما فيها»، قال:
نعم، فلما كان الغداة أو العشيّ جاء، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن صاحبكم هذا كان جائعا فسألنا، فأعطيناه، فزعم أنه رضي، أ كذلك؟» فقال الأعرابي: «أي نعم، فجزاك اللّه تعالى عن أهل و عشيرة خيرا» فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ألا إن مثلي و مثلكم كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه، فأتّبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا،
فناداهم صاحب الناقة: خلّوا بيني و بين ناقتي، فأنا أرفق بها، فتوجه لها صاحبها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فجاءت و استناخت، فشد عليها رحلها، و استوى عليها، و أنا لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار، فما زلت حتى فعلت ما فعلت [١]».
و روى أبو يعلى عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يجيب دعوة العبد، و يعود المريض، و يركب الحمار [٢].
و روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن أهل مكة سألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يجعل لهم الصّفا ذهبا، و أن ينحّي عنهم الجبال فيزرعون، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، و إن شئت أن نعطيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم، قال: بل أستأني بهم [٣].
و روى مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: قيل يا رسول اللّه ادع على
[١] ذكره الهيثمي في المجمع ٩/ ١٨، ١٩ و عزاه للبزار و فيه إبراهيم بن الحكم بن إبان و هو متروك.
[٢] أخرجه أبو يعلى ٧/ ٢٣٨ (١٤٨٨/ ٤٢٤٣) و إسناده ضعيف لضعف مسلم بن كيسان البراد الملائي الأعور و أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و آدابه ص ٦٤ و أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٨/ ١٣١ من طريق أبي يعلى هذه و الطيالسي ٢/ ١١٩ (٢٤٢٥) و البغوي في شرح السنة ١٣/ ٢٤١ (٣٦٧٣) من طريق شعبة و الترمذي (١٠١٧) و في الشمائل (٣٢٥) و ابن ماجة مختصرا (٢٢٩٦) و في الزهد (٤١٧٨) و أبو الشيخ ص (٦١، ٦٢) من طرق عن جرير كلاهما عن مسلم البراد، بهذه الإسناد و قال الترمذي: هذا الحديث لا نعرفه إلا من حديث مسلم عن أنس و مسلم الأعور يضعّف و هو مسلم بن كيسان.
[٣] ذكره الهيثمي في المجمع ٧/ ٥٣ و قال بعد ذكره رواية أخرى: و رجال الروايتين رجال الصحيح إلا أنه وقع في أحد طرقه عمران بن الحكم و هو وهم و في بعضها عمران أبو الحكم و هو ابن الحارث و هو الصحيح و راه البزار بنحوه.