سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٣ - الباب العشرون في صفة عيشه في الدنيا (صلّى اللّه عليه و سلّم)
لعمرك ما الأعمار إلّا قصيرة* * * و لكنّ آمال الرّجال طوال
أتته مفاتيح الكنوز فردّها* * * و عافت يمين مسّها و شمال
و كان يفيض المال بين عفاته* * * كما فضّت التّرب المهال شمال
فما كان للمال الشّديد بمائل* * * و كم غرّ أرباب العقول فمالوا
به فرّج اللّه المضايق كلّها* * * و بان حرام للورى و حلال
فأنصف مظلوما و أمّن خائفا* * * و أغنم محتاجا و نعم مآل
بشير نذير صادق القول صادع* * * لكلّ كلام جاء عنه كمال
بليغ يصوغ القول كيف يريده* * * لكلّ مقام ينتحيه مقال
جميل جليل مانح غير مانع* * * عليه وقار ظاهر و جلال
إذا أبصرته العين هابت فلم تكن* * * لتملأ منه العين حين تجال
شفيع رفيع ناصر ناصح لنا* * * رحيم رحيب العفو حين ينال
حبيب إلى ربّ الأنام محبّب* * * إلى الخلق إلّا من لديه ضلال
لقد شهدت حتّى الوحوش ببعثه* * * و صدّق ذيب قوله و غزال
و كان مصونا بالغمام مظلّلا* * * إذا النّاس مالوا للظّلال و قالوا
و
روى مسلم و الأربعة عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، و البزّار، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم و الحاكم عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه و ابن حبّان عن ابن عباس و ابن مردويه عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، و الطبراني عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خرج ذات يوم، فإذا هو بأبي بكر و عمر رضي اللّه تعالى عنهما، فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟» قالا: الجوع يا رسول اللّه، قال: «و الذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، فقوما»، فقاما معه، فأتى منزل أبي أيوب الأنصاري، و قال ابن عمر منزل أبي الهيثم بن التّيهان، فلما انتهوا إلى داره قالت امرأته: مرحبا بنبي اللّه، و بمن معه، قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أين أبو أيوب؟» فقالت امرأته: يا نبي اللّه يأتيك الساعة، انطلق يستعذب الماء، فجاء أبو أيوب رضي اللّه تعالى عنه، فنظر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: الحمد للّه، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني فانطلق فقطع عذقا، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما أردت تقطع لنا هذا إلا اجتنيت لنا من تمره»، قال: أحببت يا رسول اللّه أن تأكلوا من تمره، و بسره، و رطبه، ثم أخذ المدية، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إياك و الحلوب»، فذبح لهم، فشوى نصفه، و طبخ نصفه، فلما وضع بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أخذ من الجدي، فجعله في رغيف، و قال: «يا أبا أيوب أبلغ بهذا فاطمة لأنها لم تصب مثل هذا منذ أيام»، فذهب به أبو أيوب إلى فاطمة، فلما أكلوا و شبعوا، قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن هذا لهو النعيم الذي تسألون عنه، قال اللّه تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ