سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٤ - تنبيهات
النَّعِيمِ [التكاثر ٨] فهذا النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة»، فكبر ذلك على أصحابه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فقولوا باسم اللّه، فإذا شبعتم فقولوا الحمد للّه الذي هو أشبعنا، و أنعم علينا و أفضل، فإن هذا كفاف لهذا» فأخذ عمر رضي اللّه تعالى عنه العذق فضرب بها الأرض حتى تناثر البسر، ثم قال: يا رسول اللّه و إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: «نعم، إلا من ثلاث: كسرة يسد بها الرجل جوعته، أو ثوب يستر به عورته، أو حجر يدخل فيه من القرّ و الحرّ» [١].
تنبيهات
الأول: أنكر الإمام الحافظ أبو حاتم بن حبّان (رحمه اللّه تعالى) هذه الأحاديث التي في شده (صلّى اللّه عليه و سلّم) الحجر على بطنه عند كلامه على
قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لست كأحدكم، إني أطعم و أسقى»،
قال: لأن اللّه تعالى كان يطعم رسوله، و يسقيه إذا واصل، فكيف يتركه جائعا حتى يحتاج إلى شد الحجر على بطنه؟ ثم قال: و ما ذا يغني الحجر من الجوع؟ ثم ادعى أن ذلك تصحيف ممن رواه، و إنما هي الحجز بالزاي جمع حجزة، قال الإمام الخطابي (رحمه اللّه تعالى): قد أشكل الأمر في شده الحجر على البطن من الجوع على قوم، فتوهموا أنه تصحيف، و زعموا أنه الحجز- بضم الحاء و فتح الجيم، بعدها زاي- جمع الحجزة، و هي التي يشدّ بها الوسط، و من أقام بالحجاز، و عرف عادتهم، عرف أن الحجر واحد الحجارة، و ذلك أن المجاعة تعتريهم كثيرا، فإذا خوى البطن لم يمكن معه الانتصاب، فيعمل الشخص حينئذ إلى صفائح رقاق في طول الكف، أو أكثر، فيربطها على بطنه، و يشدها بعصابة فوقها، فتعتدل قامته بعض الاعتدال، و الاعتماد بالكبد على الأرض مما يقارب ذلك، قال الحافظ (رحمه اللّه تعالى): قد أكثر الناس من الرد على ابن حبّان في جميع ذلك، فأبلغ ما يردّ به عليه أنه أخرج
في صحيحه حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فرأى أبا بكر، و عمر رضي اللّه تعالى عنهما فقال: «ما أخرجكما؟» قالا: ما أخرجنا إلا الجوع، فقال: «أنا و الذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الجوع»، الحديث،
فهذا يردّ ما تمسك به، و أما
قوله: «و ما يغني الحجر من الجوع؟»
فجوابه: أنه يقيم الصلب، لأن البطن إذا خلا ربما ضعف صاحبه على القيام لانثناء بطنه، فإذا ربط عليه الحجر اشتد، و قوي صاحبه على القيام، حتى قال بعض من وقع له ذلك:
كنت أظن أن الرّجلين تحملان البطن، فإذا البطن هو الذي يحمل الرجلين.
و قال الحافظ (رحمه اللّه تعالى) في موضع آخر من الفتح: قال العلماء رحمهم اللّه تعالى:
[١] تقدم.