سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١٢ - الباب الثاني و العشرون في مزاحه، و مداعبته (صلّى اللّه عليه و سلّم)
و روى الحسن بن الضحاك عن أبي محمد عبد اللّه بن قتيبة قال: أخبرنا محمد بن عائشة منقطعا قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يحب بلالا، و يمازحه، فرآه يوما و قد خرج بطنه، فقال:
«أمّ حسّ».
و روى أبو سعيد بن الأعرابي، و أبو الحسن بن الضحاك، عن علي رضي اللّه تعالى عنه قال: دخل علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «أين لكع؟ ههنا لكع؟» قال: فخرج إليه الحسن بن علي رضي اللّه تعالى عنهما، و عليه لحاف قرنفلي، و هو مادّ يده، فمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يده و التزمه، و قال: بأبي أنت و أمي، من أحبني فليحب هذا.
و روى الزبير بن بكار في كتاب الفاكه، عن عطاء بن أبي رباح رضي اللّه تعالى عنه أن رجلا قال لابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: أ كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يمزح؟ فقال ابن عباس:
نعم، فقال الرجل: فما كان مزاحه؟
فقال ابن عباس: إنه كسا ذات يوم امرأة من نسائه ثوبا، فقال لها: «البسيه و احمدي اللّه وجدي منه ذيلا كذيل الفرس».
و روى فيه أيضا عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها مزحت عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: أمها يا رسول اللّه بعض دعابات هذا الحي من بني كنانة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «بل بعض مزحنا هذا الحي من قريش».
و روى ابن إسحاق عن جابر رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال له في غزوة ذات الرّقاع: «أ تبيعني جملك؟» قال: قلت يا رسول اللّه، بل أهبه لك، قال: «لا، و لكن بعنيه»، قلت: فسمنيه، قال: «قد أخذته بدرهم»، قلت: لا، إذن تغبنني يا رسول اللّه، قال:
«فبدرهمين»، قلت: لا، فلم يزل يرفع لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى بلغ الأوقية، فقال: «أفقد رضيت؟» فقلت: رضيت، قال: «نعم»، قلت هو لك، قال «قد أخذته».
و في رواية فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يكلمني و يمازحني، ثم قال: «يا جابر، هل تزوجت بعد؟» قلت: نعم يا رسول اللّه، قال: «أ ثيبا أم بكرا؟» قلت: بل ثيبا، قال: «أ فلا جارية تلاعبك و تلاعبها»، قلت: يا رسول اللّه إن أبي أصيب يوم أحد و ترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة تجمع رؤوسهن، و تقوم عليهن، قال: أصبت إن شاء اللّه، أما إنّا لو قد جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت، و أقمنا عليها يومنا ذلك، و سمعت بنا امرأتك فنفضت نمارقها، قلت: يا رسول اللّه ما لنا نمارق، قال: «إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيّسا»، قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بجزور فنحرت، و أقمنا عليها يومنا ذلك، فلما أمسى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دخل، و دخلنا، فحدثت المرأة الحديث، و ما قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قالت: فدونك سمعا و طاعة [١].
[١] انظر السيرة لابن هشام ٢/ ٢٠٦.