سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤ - تنبيهات
منصورا عليهم بالرعب من مسيرة شهر، و كان وصف خلقه بالعظم ليشمل الإنعام و الانتقام، و قيل: إنما وصف بالعظم لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، فإنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أدّب بالقرآن، كما قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها فيما تقدم أول الباب.
و قد وصف اللّه تعالى نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بما يرجع إلى قوته العلمية أنه عظيم: فقال تعالى وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء ١١٣] و وصفه بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم: فقال: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة الدرجة عالية.
الثالث: الخلق بضم أوله، و ثانيه، و يجوز إسكانه: ملكة نفسية تسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة.
قال الإمام الراغب (رحمه اللّه تعالى): الخلق و الخلق- بالفتح و الضم في الأصل- بمعنى واحد كالشّرب و الشّرب، لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات و الصور المدركة بالبصر و خص الخلق الذي بالضم بالقوى و السجايا المدركة بالبصيرة، و اختلف هل حسن الخلق بالضم غريزة أو مكتسب، و تمسك من قال بأنه غريزة
بحديث ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه «إن اللّه تعالى قسّم بينكم أخلاقكم كما قسّم أرزاقكم [١]» رواه البخاري.
و قال القرطبي (رحمه اللّه تعالى): الخلق جبلّة في نوع الإنسان، و هم في ذلك متفارقون، فمن غلب عليه شيء منها كان محمّدا محمودا، و إلا فهو المأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودا، و كذا إن كان ضعيفا، فيرتاض صاحبه حتى يقوى.
و روى الإمام أحمد و النّسائي و التّرمذي و ابن حبّان عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال للأشجّ- أشجّ عبد القيس-: «إن فيك لخصلتين يحبّهما اللّه تعالى و رسوله: الحلم و الأناة»، قال: يا رسول اللّه قديما كان أو حديثا؟ قال: «قديما»، قال: الحمد للّه الذي جبلني على جبلّتين يحبهما اللّه تعالى
» فترديد السؤال، و تقريره عليه، يشعر بأن من الخلق ما هو جبليّ و ما هو مكتسب،
و قد كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «اللهم كما حسّنت خلقي فحسّن خلقي» رواه الإمام أحمد و ابن حبّان رحمة اللّه عليهما،
و كان يقول في دعاء الافتتاح: «و اهدني لأحسن الأخلاق، إنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت». رواه مسلم.
الرابع: قال بعض العلماء: جعل اللّه تعالى القلوب محل السرور، و الإخلاص الذي هو
[١] أخرجه مسلم ١/ ٤٨ (٢٥/ ١٧) و الترمذي (٢٠١١) و أبو داود (٥٢٢٥) و ابن ماجة (٤١٨٧) و مسند أحمد ٣/ ٢٣، ٥٠، ٤/ ٢٠٦ و البيهقي ٧/ ١٠٢ و ابن حبّان (١٣٩٣، ٢٢٦٧) و ذكره الهيثمي في المجمع ٩/ ٣٨٨ و الطبراني في الكبير ١٢/ ٢٣٠ و ذكره المتقي الهندي في الكنز (٥٨١١).