سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨ - الباب الثالث في حلمه و عفوه مع القدرة له (صلّى اللّه عليه و سلّم)
و روى الإمام أحمد و الطبراني عن جعدة [١] رضي اللّه تعالى عنه قال: شهدت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتي برجل فقال: هذا أراد أن يقتلك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لن تراع، لو أردت ذلك لم يسلطك اللّه عليّ»
[٢].
و روى ابن أبي شيبة، و الإمام أحمد و عبد بن حميد و مسلم و الثلاثة عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من قبل التنعيم متسلحين يريدون غرّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فدعا عليهم، فأخذهم سلما فعفا عنهم، و استحياهم [٣].
و روى النّسائي، و أبو داود عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: حدثنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوما، ثم قام فقمت حين قام، فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه، فجذبه بردائه، فحمّر رقبته، و كان رداؤه خشنا، فالتفت إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال له الأعرابي: احملني على بعيري هذين، فإنك لا تحملني من مالك، و لا من مال أبيك، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لا، و أستغفر اللّه، لا و أستغفر اللّه، لا و أستغفر اللّه لا أحملك حتى تقيدني من جبذتك» و كل ذلك يقول الأعرابي: و اللّه لا أقيدكها، فذكر الحديث، و فيه: ثم دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمر رضي اللّه تعالى عنه فقال: احمل له على بعيريه هذين- على بعير تمرا، و على الآخر شعيرا،- ثم التفت إلينا، فقال: «انصرفوا على بركة اللّه تعالى [٤]».
و روى أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: لما فتح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكة طاف بالبيت و صلى ركعتين، ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال: «ما تقولون؟ و ما تظنون؟» قالوا: أخ كريم و ابن أخ كريم قالوا ذلك ثلاثا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أقول كما قال أخي يوسف لإخوته»- (عليه السلام)- لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف ٩٢] فخرجوا، فكأنما نشروا من القبور، فأسلموا [٥].
و روى ابن عساكر عن الزّهري عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه قال: لما كان يوم فتح مكة أرسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى صفوان بن أمية، و أبي سفيان بن حرب، و الحارث بن هشام، قال عمر رضي اللّه تعالى عنه فقلت: قد أمكنني اللّه عز و جل منهم اليوم، لأعرفنهم بما صنعوا،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «مثلي و مثلكم كما قال يوسف (عليه السلام) لإخوته»:
[١] جعدة بن خالد بن الصمّة الجشميّ، من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، حديثه في البصريين. أسد الغابة ١/ ٣٣٩.
[٢] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢١٧٠/ ١٠/ ٢٠٠ و انظر الشفاء ١/ ٢٢٦.
[٣] أخرجه مسلم ٣/ ١٤٤٢ (١٣٣/ ١٨٠٨).
[٤] أبو داود (٤٧٧٥).
[٥] تقدم.