سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠ - الباب الثالث في حلمه و عفوه مع القدرة له (صلّى اللّه عليه و سلّم)
يا عمر، كلّ علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، و لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد خبرتهما، فأشهدك أني رضيت باللّه تعالى ربّا، و بالإسلام دينا، و بمحمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) نبيا [١].
و روى الإمام أحمد، و أبو الشيخ عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: ابتاع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جزورا من أعرابي بوسق من تمر الذّخيرة، فجاء منزله، فالتمس التمر، فلم يجده، فخرج إلى الأعرابي فقال: «عبد اللّه، إنا قد ابتعنا منك جزورك هذا بوسق، من تمر الذّخيرة، و نحن نرى أن عندنا، فلم نجده» فقال الأعرابي: وا غدراه وا غدراه، فوكزه الناس و قالوا:
إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تقول هذا؟ فقال: «دعوه، فإن لصاحب الحقّ مقالا» فردد ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرتين أو ثلاثا، فلما رآه لا يفقه عنه قال لرجل من أصحابه: «اذهب إلى خولة بنت حكيم بن أمية فقل لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول لك إن كان عندك وسق من تمر الذّخيرة فسلفينا حتى نؤديه إليك إن شاء اللّه تعالى» فذهب إليها الرجل ثم رجع قال: قالت: نعم هو عندنا يا رسول اللّه، فابعث من يقبضه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) للرجل: «اذهب فأوفه الذي له» فذهب، فأوفاه الذي له، قال فمر الأعرابي برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو جالس في أصحابه، فقال: جزاك اللّه خيرا، فقد أوفيت و أطيبت، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أولئك خيار الناس الموفون المطيّبون [٢]».
و روى الشيخان عن أبي هريرة أن رجلا أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتقاضاه فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، ثم قال: أعطوه شيئا مثل سنّه»، فقالوا: يا رسول اللّه، لا نجد إلا أفضل من سنه، قال: «أعطوها، و خيركم أحسنكم قضاء [٣]».
و روى البخاري (رحمه اللّه) عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه أن يهودية أتت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بشاة مسمومة، فأكل منها فجيء بها، فقيل: ألا تقتلها فقال: «لا» [٤].
و روى الشيخان عن عائشة و ابن أبي حاتم عن عكرمة و روى أبو الحسن بن الضحاك عن جابر رضي اللّه تعالى عنه قال: أبصرت عيناي، و سمعت أذناي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان بالجعرّانة [٥]، و في ثوب بلال فضة، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يفضّها على الناس، فيعطيهم، فقال له
[١] أخرجه الحاكم ٢/ ٣٢٣٢/ ٦٠٥ و أبو نعيم في الدلائل ١/ ٢٣ و ابن كثير في البداية ٢/ ٣١٠.
[٢] انظر المجمع ٤/ ١٤٠.
[٣] أخرجه البخاري ٤/ ٤٨٣ (٢٣٠٦) و مسلم ٣/ ١٢٢٥ (١٢٠/ ١٦٠١).
[٤] تقدم.
[٥] الجعرّانة لا خلاف في كسر أوّله. و أصحاب الحديث يكسرون عينه و يشدّدون راءه، و أهل الأدب يخطئونهم و يسكّنون العين و يخفّفون الراء. و الصحيح أنهما لغتان جيدتان.