سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٣ - تنبيهات
الغلام، و ليس معه شيء، فقال له أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه أين البعير؟ فقال: ضل، فقام إليه يضربه، و يقول: بعير واحد ضل منك لو لم يكن إلا أنا لهان الأمر، و لكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أهله،
فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يبتسم، و يقول: ألا ترون إلى هذا المحرم و ما يصنع؟ فحمل جماعة جفنة من حيس و أقبلوا بها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى وضعوها بين يديه، فجعل يقول: يا أبا بكر هلمّ، فقد جاءك اللّه تعالى بغذاء طيب، و جعل أبو بكر يغتاظ على الغلام، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «هوّن عليك، فإن الأمر ليس عليك، و لا إلينا معك، قد كان الغلام حريصا أن لا يضل بعيره، و هذا خلف مما كان معه»، فأكل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أهله، و من كان معه و كل من كان يأكل مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى شبعوا،
ذكر في سيرته الحديث.
و ذكر المحب الطبري (رحمه اللّه تعالى) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان في سفر، و أمر أصحابه بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول اللّه عليّ ذبحها، و قال آخر: يا رسول اللّه عليّ سلخها، و قال آخر: يا رسول اللّه عليّ طبخها، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «و عليّ جمع الحطب» فقالوا يا رسول اللّه: نكفيك العمل، فقال: «قد علمت أنكم تكفوني، و لكن أكره أن أتميز عليكم، و إن اللّه تعالى يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه».
تنبيهات
الأول: حقيقة حسن الخلق قوى نفسانية تسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الحميدة، و الآداب المرضية، فيصير ذلك كالخلقة في صاحبه، و يدخل في حسن الخلق التّحرّز عن الشّح، و البخل، و الكذب، و غير ذلك من الأخلاق المذمومة، و يسهل في حسن الخلق التحبب إلى الناس بالقول و الفعل، و البذل، و طلاقة الوجه، مع الأقارب، و الأجانب، و التساهل في جميع الأمور، و التسامح فيما يلزم من الحقوق، و ترك التقاطع، و التهاجر، و احتمال الأذى من الأعلى و الأدنى، مع طلاقة الوجه، و إدامة البشر- في هذه الخصال تجمع محاسن الأخلاق، و مكارم الأفعال، و لقد كان جميع ذلك في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلهذا وصفه اللّه تعالى بقوله عز و جل: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ن ٤].
الثاني: على في هذه الآية للاستعلاء، فدل اللفظ على أنه كان مستعليا على هذه الأخلاق، و مستوليا عليها، قال الإمام الجنيد (رحمه اللّه تعالى): و إنما كان خلقه عظيما لأنه لم يكن له همّة سوى اللّه تعالى.
قال الإمام الحليمي عفا اللّه عنه: و إنما وصف خلقه بالعظم مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم لأن كرم الخلق يراد به السّماحة و الدّماثة، و لم يكن (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقصورا على ذلك، بل كان رحيما بالمؤمنين، رفيقا بهم، شديدا على الكفار، غليظا عليهم، مهيبا في صدورهم،