سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٤ - تنبيهات
و روى أيضا عن عبد اللّه بن همّام قال: يا أبا الدّرداء بأي شيء يخضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال: يا ابن أخي يا بني ما كان بلغ من الشيب أن يختضب به، و لكن قد كان منه شعرات، و كان يغسله بالحناء و السّدر.
و روى أيضا بسند ضعيف عن بشر مولى الرّقاشيين قال: سألت جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما هل خضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ فقال: لا، ما كان شيبه يحتاج إلى الخضاب، كان وضح في عنفقته و ناصيته، لو أردنا أن نحصيها أحصينا.
و روى مسلم عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال: كان في لحية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شعرات بيض، و في رواية عنده لم ير من الشيب إلا قليلا، و في أخرى لو شئت أعد شمطات كن في رأسه، و لم يخضب، و في رواية لم يخضب، إنما كان البياض في عنفقته، و في الصدغين، و في الرأس نبذ [١].
تنبيهات
الأول: قال الشيخ عبد الجليل القصري: إنما صبغ (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأن النساء غالبا يكرهن الشيب، و من كره من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شيئا فقد كفر.
الثاني: اختلف العلماء رحمهم اللّه تعالى هل خضب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أم لا؟ قال القاضي (رحمه اللّه تعالى): الأكثرون- و هو مذهب مالك (رحمه اللّه تعالى) أنه لم يخضب و قال النووي:
المختار أنه صبغ في وقت، و تركه في معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى، و هو صادق، قال:
و هذا التأويل كالمتعين، فحديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما في الصحيحين لا يمكن تركه، و لا تأويل له قال الحافظ: و الجمع بين حديث أبي رمثة و ابن عمر، و حديث أنس أن يحمل حديث أنس على غلبة الشيب، حتى يحتاج إلى خضابه، و لم يتفق أنه رآه، و هو يخضب و يحمل حديث من أثبت الخضاب على أنه فعله، لإرادة الجواز، و لم يواظب عليه، و أما ما رواه الحاكم عن عائشة [أنها] قالت: «ما شانه اللّه تعالى ببيضاء» المحمول على أن تلك الشّعرات البيض لم يتغير بها شيء من حسنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قد أنكر الإمام أحمد إنكار أنس، و ذكر حديث ابن عمر، و وافق الإمام مالك أنسا في إنكار الخضاب، و تأول ما ورد، قلت: و في التأويل بعد.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
الخضاب: ككتاب: ما يختضب به.
نبذ: بضم النون، و فتح الموحدة، و بفتح النون، و إسكان الموحدة: أي شعرات متفرقات.
[١] مسلم في الفضائل باب (٢٩) رقم (١٠١) و أحمد ٤/ ١٩٠ و ابن أبي شيبة ٨/ ٢٥٨ و ابن سعد ١/ ٢/ ١٣٧.