سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨٠ - الباب السادس عشر في زهده في الدنيا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ورعه، و اختياره الفقر، و سؤاله ربه تبارك و تعالى أن يكون مسكينا
و روى الإمام أحمد، و ابن عساكر عن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه قال و هو يعظ: لقد أصبحتم، و أمسيتم ترغبون فيما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يزهد فيه، و اللّه ما أتت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليلة من زهده إلا كان الذي عليه أكثر من الذي له.
و روى ابن حبّان عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: اتخذت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فراشين حشوهما ليف و إذخر فقال: «يا عائشة ما لي و للدنيا أنما أنا و الدنيا بمنزلة رجل نزل تحت شجرة في ظلها، حتى إذا فاء الفيء ارتحل، فلم يرجع إليها أبدا [١]».
و روى الإمام أحمد عنها قالت: ما رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتّقي إلى فرش قط، إلا أني أذكر أن يوم مطر ألقينا تحته بتا فكأني أنظر إلى خرق فيه ينبع منه الماء [٢].
و روى سعيد بن منصور عنها قالت: كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فراش رثّ غليظ، فأردت أن أجعل له فراشا آخر ليكون أوطأ لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فجعلته فقال: ما هذا يا عائشة؟» فقلت:
رأيت فراشك رثّا غليظا، فأردت أن يكون هذا أوطأ لك، فقال: «أخّريه، اثنتين، و اللّه لا أقعد عليه حتى ترفعيه قال: فرفعت الأعلى الذي صنعت» [٣].
و روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يبيت الليالي المتتابعة طاويا و أهله لا يجدون عشاء، و كان عامة خبزهم الشعير [٤].
و روى التّرمذي عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال: دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو على حصير، قد أثر الشريط في جنبه، فقلت: لو نمت يا رسول اللّه على ما هو ألين من هذا، فقال: «ما لي و للدنيا، إنما مثلي و مثل الدنيا كمثل راكب مر بأرض فلاة، فرأى شجرة، فاستظل تحتها، ثم راح و تركها» [٥].
و روى أبو عبد الرحمن السّلمي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه دخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو على حصير، قد أثر في جنبه، فقال: يا رسول اللّه لو اتخذت فراشا ألين من هذا، فقال: «ما لي و للدنيا، إنما مثلي و مثل الدنيا كراكب سار في يوم صائف، حتى أتى شجرة، ثم راح».
و روى الإمام أحمد، و البيهقي في الشّعب عن ثوبان رضي اللّه تعالى عنه قال: كان
[١] تقدم.
[٢] أحمد ٦/ ٥٨.
[٣] البيهقي في الدلائل ١/ ٣٤٥.
[٤] أخرجه الترمذي (٢٣٦٠) و ابن ماجة (٣٣٤٧) و أحمد ١/ ٢٥٥، ٣٧٤ و البغوي في التفسير ٦/ ١٦٢ و ابن سعد ١/ ٢/ ١١٣ و أحمد في الزهد (٣٠).
[٥] تقدم.