سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٨ - الباب الرابع عشر في إعطائه القود من نفسه (صلّى اللّه عليه و سلّم)
الباب الرابع عشر في إعطائه القود من نفسه (صلّى اللّه عليه و سلّم)
روى ابن سعد- بسند رجاله ثقات- عن عمرو بن شعيب قال: لما قدم عمر الشام أتاه رجل يستأذنه على أمير ضربه، فأراد عمر أن يقيده، فقال له عمرو بن العاص: أ تقيده منه؟ قال:
نعم، قال: فلا نعمل لك عملا، قال: لا أبالي أن أقيده منه، و قد رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعطي القود من نفسه، قال: أ فلا نرضيه؟ قال: أرضوه إن شئتم.
و روى إبراهيم الحربي عن عطاء قال: جاء أعرابي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و بيده قضيب، فأصاب بطن الأعرابي، و زحم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأعرابي فخدشه، فقال: «اقتص»، فأبى، فقال:
«لتقصن، أو لتأخذن تبعة الغير» [١].
و روى ابن سعد عن سعيد بن المسّيب قال: أقاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من نفسه و أقاد أبو بكر من نفسه و أقاد عمر من نفسه.
و روى ابن عساكر و الحاكم عن حبيب بن مسلمة قال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعا إلى القصاص من نفسه في خدش خدشه أعرابيا لم يتعمده، فأتاه جبريل فقال: يا محمد إن اللّه لم يبعثك جبارا، و لا متكبرا، فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأعرابي فقال: «اقتص مني»، فقال الأعرابي:
قد أحللتك، بأبي و أمي، و ما كنت لأفعل ذلك أبدا، و لو أتيت على نفسي، فدعا له بخير [٢].
و روى ابن أبي شيبة، و أبو الحسن بن الضحاك عن عمر رضي اللّه تعالى عنه قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقتص من نفسه، و
قال ابن إسحاق: حدثني عبد اللّه بن أبي بكر عن رجل من العرب قال: زحمت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم حنين، و في رجلي نعل كثيفة، فوطئت بها على رجل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنفحني بسوط في يده، و قال: «باسم اللّه أوجعتني»، فبت لائما نفسي، أقول:
أوجعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما أصبحنا فإذا رجل يقول: أين فلان؟ فقلت هذا و اللّه الذي كان مني بالأمس، فانطلقت، و أنا متخوف، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنك وطئت بنعلك رجلي بالأمس فأوجعتني، فنفحتك بسوط فهذه ثمانون نعجة فخذها بها» [٣].
و روى ابن حبان في صحيحه، و أبو الحسن بن الضحاك عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال: رغب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذات يوم في الجهاد، فاجتمعوا عليه حتى غمّوه، و في يده
[١] أخرجه الطبراني في الكبير ١/ ١٧٥ و البيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٤٩.
[٢] أخرجه الحاكم ٣/ ٢٨٨، ٤/ ٣٣١ و أبو نعيم في الحلية ٦/ ١٣٧ و الكنز (٤٠٢١٧).
[٣] أخرجه الدارمي ١/ ٣٥.