سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧ - الباب السادس في بره و شفقته، و رحمته، و حسن عهده (صلّى اللّه عليه و سلّم)
الباب السادس في بره و شفقته، و رحمته، و حسن عهده (صلّى اللّه عليه و سلّم)
قال اللّه تعالى وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء ١٠٧] قال بعض العارفين: من رحمة اللّه تعالى خلق اللّه عز و جل الأنبياء من الرحمة، و نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عليهم، عين الرحمة، و
روى ابن أبي شيبة، و الإمام أحمد، و النسائي، و ابن ماجة، و ابن مردويه عن أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه: قام (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليلة، فقرأ آية يردّدها، يركع بها، و يسجد، و بها يقوم، و يقعد، حتى أصبح إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة ١١٨] فلما أصبح قلت: يا رسول اللّه، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، قال:
«فإني سألت ربي الشفاعة لأمتي، و هي نائلة- إن شاء اللّه تعالى- من لم يشرك باللّه تعالى شيئا» قلت: فما أجبت؟ قال: «أجبت بالذي لو اطّلع كثير منهم لتركوا»، قال: فإذا أبشّر الناس، قال: بلى، فقال عمر يا رسول اللّه إنك إن بعثت إلى الناس بهذا يتكلوا عن العبادة، فناداه أن ارجع [١].
و روى مسلم عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال: ما رأيت أحدا كان أرحم بالعباد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و روى الشيخان عن أبي قتادة رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: إني لأدخل في الصلاة، و أنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجاوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجدانه من بكائه [٢].
و روى مسلم، و ابن عساكر عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تلا قول اللّه عزّ و جلّ في إبراهيم إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم ٣٦] و قال في عيسى (عليه السلام): إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة ١١٨] فرفع يديه، و قال: «اللهم أمّتي، أمّتي، و بكى» فقال اللّه عز و جل: «يا جبريل اذهب إلى محمد، فقل له، و اسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل (عليه السلام) فسأله، فأخبره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بما قال، و هو أعلم، فقال اللّه عزّ و جل: «يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك، و لا نشوؤك (صلّى اللّه عليه و سلّم)» [٣].
و روى الشيخان عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، و الإمام أحمد عن زيد بن ثابت
[١] أخرجه أحمد ٥/ ١٤٩ و النسائي ٢/ ١٧٧ و ابن ماجة ١/ ٤٢٩ (١٣٥٠) و الحاكم ١/ ٢٤١.
[٢] سيأتي.
[٣] أخرجه مسلم ١/ ١٩١ و البيهقي ٧٠/ ٢٠٥ و الطبري ١٣/ ١٥١ و عبد الرزاق (٢٦٩٧).