سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٠ - تنبيهات
روى أبو داود عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاء إلى سعد بن عبادة رضي اللّه تعالى عنه فجاء بخبز و زيت فأكل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم قال: «أفطر عندكم الصائمون، و أكل طعامكم الأبرار، و صلّت عليكم الملائكة» [١].
و روى الإمام أحمد و مسلم و أبو داود و الترمذي عن عبد اللّه بن بسر رضي اللّه تعالى عنهما قال: نزل علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فذكر الحديث. و فيه فقال أبي: ادع لنا، فقال: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، و اغفر لهم و ارحمهم» [٢].
تنبيهات
الأول: اختلف في إنكار سيدنا جبريل الأكل متكئا فقال القاضي عياض في الشّفاء (رحمه اللّه تعالى): التمكن للأكل، و التقعد للجلوس له كالتّربع و شبهه من تمكّن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته قال: و الجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل و يستكثر منه، و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيا، قال: و ليس معنى الحديث في الاتكاء الميل على شق عند المحققين، و بما فسر به الاتكاء حكاه في الإكمال عن الخطّابي و قال: إنه خالف في هذا التأويل أكثر الناس، و إنهم إنما حملوا الاتكاء على أنه الميل على أحد الجانبين انتهى، و بهذا جزم ابن الجوزي (رحمه اللّه تعالى)، و عبارة ابن الأثير: المتكئ في العربية كل من استوى قاعدا على وطاء متمكنا، و العامة لم تعرف المتّكئ إلا من مال في قعوده معتمدا على أحد شقيه، ثم قال: و من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على مذهب أهل الطب، قال ابن القيّم: و هو يضر بالآكل، فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي على هيئته، و يعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة بضغط المعدة، فلا تستحكم فتحها للغذاء، و أما الاعتماد على الشيء فهو من جلوس الجبابرة المنافي للعبودية، و لهذا
قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «آكل كما يأكل العبد»،
فإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد و الوطاء الذي تحت الجالس كما نقل عن الخطّابي فيكون المعنى: أني إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطئة و الوسائد كفعل الجبابرة، و من يريد الإكثار من الأكل لكن آكل بلغة من الزاد فلذلك أقعد مستوفزا.
و في حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أكل تمرا و هو مقع، و في رواية و هو محتفز. رواه مسلم. و المراد الجلوس على وركيه غير متمكن.
[١] أخرجه ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (١٣٥٢) و ابن السني (٤٧٩) و الحاكم ١/ ٥٤٦ و أبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٤٢.
[٢] أخرجه أبو داود (٣٨٥٤) و ابن ماجة (١٧٤٧) و أحمد ٣/ ١١٨ و عبد الرزاق (٧٩٠٧) و ابن حبان الموارد (١٣٥٣) و أبو نعيم في الحلية ٣/ ٧٢ و ابن أبي شيبة ٣/. ١٠٠