سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٢ - تنبيهات
أيضا قال: إنا كنا نعد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المجلس: «رب اغفر لي، و تب علي، إنك أنت التواب الرحيم، مائة مرة»، و في لفظ: التواب الغفور.
و روى ابن أبي شيبة و مسلم و الأربعة عن الأغرّ بن مزينة قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر اللّه،
و في لفظ: و إني لأستغفر اللّه في اليوم مائة مرة»،
و في رواية: سمعته يقول: «توبوا إلى ربكم، فو اللّه إني لأتوب إلى ربي عز و جل مائة مرة في اليوم».
و روى محمد بن يحيى بن عمر برجال ثقات عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: لزم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هؤلاء الكلمات قبل موته بسنة: «سبحانك اللهم و بحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك و أتوب إليك»، قالت فقلت: يا رسول اللّه لقد لزمت هذه الكلمات، قال:
«إن ربي عهد إلي عهدا أو أمرني بأمر، فأنا أتّبعه»، ثم قرأ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ حتى ختم السورة.
تنبيهات
الأول: استشكل وقوع الاستغفار منه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو معصوم، و الاستغفار يستدعي وقوع معصية، و أجيب بأجوبة منها: أنه رأى الاشتغال بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة أو مخالطة الناس، و النظر في مصالحهم، و محاربة عدوهم تارة، و مداراته أخرى، و تأليف المؤلفة، و غير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر اللّه تعالى، و التضرع إليه، و مشاهدته، و مراقبته، ذنبا بالنسبة إلى المقام العلي، و هو الحضور في حظيرة القدس، و منها: أن استغفاره تشريع لأمته، أو من ذنوب لأمته، فهو كالشفاعة لهم. و قال الشيخ شهاب الدين السّهروردي لما كانت روح النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم تزل في الترقي إلى مقامات القرب تستتبع القلب، و القلب يستتبع النفس، و لا ريب أن حركة الروح و القلب أسرع من نهضة النفس، و كانت خطى النفس تقصر عن مداهما في العروج، فمما نهضت به الحكمة إبطاء حركة القلب لئلا تتقطع علاقة النفس عنه، فيبقى العباد محرومين فكان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يفزع إلى الاستغفار، لقصور النفس عن ترقي القلب، و منها: أن في الاستغفار و التوبة معنى لطيفا، و هو استدعاء لمحبة اللّه تعالى، فإحداثه الاستغفار و التوبة في كل حين استدعاء لمحبة اللّه تعالى.
الثاني: الغين، قال شعبة: سألت الأصمعي ما معنى ليغان على قلبي؟ فقال: عمّن يروى ذلك؟ قلت: عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: لو كان قلب غير النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لفسرته، و أما قلبه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلا أدري، كان شعبة يتعجب منه، و سئل أبو عبيدة عنه فلم يفسره.
و قال الجنيد: لو لا أنه حال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لتكلمت فيه، و لا يتكلم على حال إلا من كان