سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨ - الباب السابع في تواضعه (صلّى اللّه عليه و سلّم)
و روى التّرمذي و ابن ماجة عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا استقبله الرجل و صافحه، لا ينزع يده من يده، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع، و لا يصرف وجهه عن وجهه، حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، و لم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له [١].
و روى ابن سعد عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعمل عمل البيت أكثر ما يعمل الخياطة [٢].
و روى أبو ذرّ الهروي في دلائله، و ابن عساكر من طرق عن ابن عباس و الإمام أحمد، و أبو يعلى، و ابن عساكر عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، و ابن عساكر عن عائشة، قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذات يوم، و جبريل معه على الصّفا، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «و الذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد كفّ سويق، و لا سفّة من دقيق»، فلم يكن كلامه بأسرع من أن يسمع هدّة من السماء أفظعته فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أمر اللّه تعالى القيامة أن تقوم؟» فقال: لا و لكن هذا إسرافيل نزل إليك حيث سمع اللّه تعالى كلامك هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة،
و في حديث ابن عباس، فأقبل جبريل يدنو من الأرض، و يدخل بعضه في بعض، و يتضاءل، قال أبو هريرة: فأتاه إسرافيل،
و في حديث عائشة: أتاني ملك حجزته تساوي الكعبة فقال: إن اللّه تعالى سمع كلامك، و أمرني أن أعرض عليك- إن أحببت- أن أسير معك جبال تهامة زمردا، و ياقوتا، و ذهبا، و فضة فعلت، فإن شئت نبيا ملكا، و إن شئت نبيا عبدا، فالتفت إلى جبريل كالمستشير له، فأشار إليه جبريل بيده أن تواضع لربك، فعرفت أنه ناصح لي و قلت بل نبيا عبدا، ثلاث مرات، فشكر لي ربي عز و جل ذلك، فقال «أنت أول من تشق عنه الأرض، و أول شافع»
قال ابن عباس و عائشة: فما أكل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) طعاما متّكئا حتى لقي ربه [٣].
و روى ابن عساكر عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: أوتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بطعام، فقلت: ألا تأكل و أنت متكئ أهون عليك؟ قالت فأصغى بجبهته، حتى كاد يمسح بها الأرض، قال: «آكل كما يأكل العبد، و أنا جالس»، فما رأيته أكل متكئا حتى مضى لسبيله [٤].
و روى الدار قطني في الإفراد، و ابن عساكر عن الحسن عن أنس رضي اللّه تعالى عنه
[١] و البيهقي ١٠/ ١٩٢ و الدلائل ١/ ٣٢٠ و ابن المبارك في الزهد (١٣٢) و الطحاوي في المعاني ١/ ٥٤.
[٢] ابن سعد ١/ ٢/ ٩١ و انظر الكنز (١٨٥٢٠).
[٣] انظر اتحاف السادة المتقين ٩/ ٣٣٣.
[٤] تقدم.